مقدمه
بسم اللّه الرحمن الرحيم كتاب المبدأ والمعاد ، له ، صنفه للشيخ أبى محمد بن إبراهيم الفارسي الحمد لله رب العالمين وصلواته على نبيه سيدنا محمد وآله الطاهرين أجمعين قال الشيخ الرئيس أبو على الحسين بن عبد الله بن سينا :
وبعد ، فانّى أريد أن أدلّ في هذه المقالة على حقيقة ما عند المشّائين المحصّلين من حال المبدأ والمعاد . فيتضمّن مقالتي هذه ثمرتى علمين كبيرين ، أحدهما الموسوم بأنّه في ما بعد الطبيعة ، والثاني العلم الموسوم بأنّه في الطبيعيات ؛ فانّ ثمرة العلم الذي هو في ما بعد الطبيعة هو القسم المعروف منه ؛ « أثولوجيا » وهو في « الربوبيّة » والمبدأ الأوّل ، ونسبة الموجودات على ترتيبها إليه . وثمرة العلم الذي في الطبيعيات هو معرفة بقاء النفس الانسانية وأنّها ذات معاد .
وقسمت هذا الكتاب إلى مقالات ثلاث : المقالة الأولى في إثبات المبدأ الأوّل للكلّ ووحدانيّته وتعديد الصفات التي تليق به . المقالة الثانية في الدلالة على ترتيب فيض الوجود عن وجوده مبتدءا عن أوّل موجود عنه إلى آخر الموجودات بعده . المقالة الثالثة في الدلالة على بقاء النفس الانسانيّة والسعادة الحقيقيّة الآخريّة والتي هي سعادة ما وغير حقيقية والشقاوة الحقيقية الآخريّة والتي هي شقاوة ما وغير حقيقيّة .
وأتحرّى في هذه المقالات أن أوضح ما أغلقوا ، واعلن ما ستروا وكتموا ، وأجمع ما فرّقوا ، وأبسط ما أجملوا بمقدار الوسع القاصر الذي لمثلى ، ممّن منى بانقراض زمان العلماء ، وانصراف الهمم إلى أغراض شتّى عن الحكم ، وتسلّط المقت على من تعاطى من الحقيقة طرفا ؛ ثمّ كلال الحدّ وانفلال الغرب من خاطر الممتحنين بمثل محنتى والمدفوعين إلى ما دفعت إليه من نوائب الزمان ، واللّه المستعان ، وبه الحول والقوّة .