حكاية عن أىّ معنى يمكن ، كما انّ الانسان ربّما فكّر في شئ فشغله الخيال عنه وانتقل إلى غيره ، واستمرّ في ذلك شيئا بعد شئ حتّى نسي الانسان أوّل فكرته .
فإذا قصد ليذكر أخذ يرجع بالعكس أنّ الذي يتخيّله في الخيال عن أىّ شئ لاح له ، وذلك أيضا عن أىّ سبب وقع في وهمه ، فلا يزال يرجع القهقرى ، حتّى يبلغ أوّل فكرته .
[ فصل 18 ] في الأمور العظيمة التي يراها ويسمعها الأنبياء وهي محجوبة عن إحساسنا
فمن كان خياله قويّا جدّا ونفسه قويّة جدّا لم تشغله المحسوسات بالكليّة ولم تستغرقه ، وفضل منه ما ينتهز الفرصة من الاتصال بذلك العالم وأمكنه ذلك في اليقظة واجتذب الخيال معه فرأى الحقّ وحفظه . وعمل الخيال عمله ، فخيّل ما يراه كالمحسوس المبصر المسموع ، فبعضه يتخيّل شبحا لا يمكن ان يوصف حاله ، وبعضه كلاما محكيا على التمثيل الّذي يجرى اليه الخيال مرموزا لا يكون أحسن منه . فربما يؤدّى كلاهما أو يؤدّى أحدهما أو يؤدّى واحد إلى خاصىّ وواحد إلى عامىّ .
وليس تخيّل النبي يفعل هذا في الاتصال بمبادى الكائنات ، بل عند سطوع العقل الفعّال وإشراقه على نفسه بالمعقولات ، فيأخذ الخيال ويتخيل تلك المعقولات ويصوّرها في الحس المشترك فيرى الحسّ للّه عظمة وقدرة لا توصف ، فيكون هذا الانسان له كمال النفس الناطقة وكمال الخيال معا .
[ فصل 19 ] في أنّ الممرورين كيف يتفق لهم أن يخبروا عن المغيبات
ويتّفق للممرورين شئ من الإنذار بالكائنات ، وذلك لأنّ مزاجهم ردىّ وخيالهم قوىّ بسبب اليبس ، الغالب على مزاج روحهم الذي في الدماغ ، الملطّف المجفّف إيّاه .