ولا يبعد أن يكون مثل هذه النفس قوية غير مذعنة للطبيعة ، وممتنعة على المجاذبات الشهوانيّة والغضبيّة إلّا على ما يحكم به العقل .
فهذا هو أشرف الأنبياء وأجلّهم ، وخصوصا إذا انضمّ ، إلى خاصّته هذه ، ساير الخواصّ التي أذكرها . وهذا الانسان كأنّ قوّته العقليّة كبريت والعقل الفعّال نار فيشتعل فيها دفعة ويحيلها إلى جوهره ، وكأنّه النّفس التي قيل لها : « يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، نور على نور » .
[ فصل 17 ] في أنّ الوحي بالمغيبات كيف يكون ، والرؤيا الصادقة كيف تكون ، وبما ذا تفارق النبوّة الرؤيا
وأمّا الخاصّة الأخرى فهي متعلقة بالخيال الذي للانسان الكامل المزاج .
وفعل هذه الخاصّة هو الانذار بالكائنات ، والدلالة على المغيبات ؛ وقد يكون هذا لأكثر الناس في حال النوم بالرؤيا . وأمّا النبي فانّما يكون له هذه الحال في حال النوم واليقظة معا .
فامّا السبب في معرفة الكائنات فاتّصال النفس الانسانيّة بنفوس الأجرام السماويّة التي بان لنا في ما سلف أنّها عالمة بما يجري في العالم العنصرىّ ، وأنّ ذلك كيف هو ، وأنّ هذه الأنفس في الأكثر إنّما تتصل بها من جهة مجانسة بينهما ، والمجانسة هي المعنى الذي هناك يقرب إلى مهمّات هذه .
فأكثر ما يرى ممّا هناك هو مجانس لأحوال بدن هذه النفس أو من يقرب منه ، وإن كانت تتّصل اتصالا كليا فانّما يتأثر منها في الأكثر تأثرا أكثريا كان يقرب من هممها . وهذا الاتصال هو من جهة الوهم والخيال ، وباستعمالهما في الأمور الجزئيّة . وامّا الاتصال العقلي فذلك شئ آخر ، وليس كلامنا فيه .
ثمّ الخيال يقطعه عن خاص أفعاله في اليقظة شيئان : أحدهما دونه ، وهو الحسّ ، فانّ النفس والحاسّ المشترك إذا أقبلا على الانفعال من