النبويّة . والقوّة النبويّة لها خواصّ ثلاثة ، قد تجتمع في انسان واحد ، وقد لا تجتمع ، بل تتفرّق .
فالخاصّة الواحدة تابعة للقوّة العقليّة ، وذلك أن يكون هذا الانسان ، بحدسه القوىّ جدّا . من غير تعليم مخاطب من الناس له ، يتوصل من المعقولات الأولى إلى الثانية في أقصر الأزمنة ، لشدّة اتصاله بالعقل الفعّال . أمّا أنّ هذا وإن كان أقليّا نادرا فهو ممكن غير ممتنع ، فبيانه بما أقول :
إنّ الحدس ليس ممّا يدفعه العقلاء . والحدس هو التفطّن للحدّ الأوسط من القياس بلا تعليم . وإذا تأمّل الانسان فانّ جميع العلوم جاءت بالحدس ، فهذا حدس شيئا ، وذلك الآخر تعلّم ما حدس هذا ، وحدس شيئا آخر . كذلك ، حتّى بلغ العلم مبلغه ؛ فكلّ مسألة فالحدس فيها جائز ، والنفس القويّة فحدس كلّ مسألة عليها جائز ، ليس بعض المسائل أولى من بعض . ثمّ من الأنفس ما هو كثير الحدس ، ومنه ما هو قليل الحدس .
وكما أنّ النقصان في الحدس ينتهي إلى عدم الحدس ، فيكون واحد من الناس لا سبيل له إلى حدس شئ أو تعلم ، بل ويكون ممّن لا يمكنه أن يعلم شيئا ، لضعف قوة ذهنه ؛ كذلك يمكن أن يكون في طرف الزّيادة من يحدس أكثر الأشياء أو كلّها ، حدسا لقوّة نفسه ، لأنّه ليس لقوّة الذهن حدّ لا يجوز أن يتوهّم أزيد منه ، إلى أن يكون حادسا لكلّ معقول ، وهنالك تكون النهاية .
وكما أنّ الحدس أيضا قد يقع في زمان أطول وفكرة أطول ، وقد يقع في زمان أقصر وفكرة أقصر ، فكذلك قد يمكن أن يكون للحدس القصير حدّ أو قريب من الحدّ ، وللطويل حدّ أو قريب من الحدّ .
فبيّن من هذا أنّه ليس يمتنع أن يوجد من أشخاص الناس من يحدس المعقولات كلّها أو أكثرها في أقصر الأزمنة ، فيستمرّ من الأوائل العقليّة إلى الثواني العقليّة على سبيل التركيب استمرارا نافذا .
المبدأ والمعاد — صفحة 116
مساهمون: أبو علي سينا
ص١١٦