تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
ضعيفة خفيّة خاملة لعلّة البدن ، وإنّما يمكننا أن نتوصّل إلى هذه السعادة إذا فارقنا البدن على الحقيقة . وإنّما يكون مفارقتنا البدن على الحقيقة إذا فارقنا وليس فينا هيئة بدنيّة ممّا يحصل على سبيل الاذعان ، فانّا في الدنيا لم نكن مستغرقى الأنفس في الأبدان وكان البدن مع ذلك يعوقنا عن الشعور بلذّة الكمال الذي نكتسبه من غير مخالطة ولا ملابسة ، بل بسبب الهيئات التي للنفس مع البدن وللاقبال الذي للنفس على البدن . فإذا فارقت النفس البدن ومعها تلك الهيئات بأعيانها كانت كأنّها غير مفارقة ، فهذه الهيئات تمنع النفس عن السعادة بعد البدن ، ومع ذلك فيحدث نوع من الأذى عظيما ، وذلك لأنّ هذه الهيئات مضادّة لجوهر النفس غريبة ، وكان إقبال النفس على البدن يشغل النفس عن الاحساس بمضادّتها . والآن إذ زال ذلك الاقبال فيجب أن تحسّ بما يضادّها فتتأذى به أشدّ أذى . وهذا نظير لمن به آفة أو مرض وله شغل شاغل فيغفل عنه . فإذا فرغ عن ذلك أحسّ به ، ولكن لأنّ هذه الهيئات غريبة فلا يبعد أن يكون ممّا يزول على الدهر . ويشبه أن تكون الشرائع جاءت بمثل ذا المعنى ، فقيل : « إنّ المؤمن الفاسق لا يخلّد في العذاب » . وأمّا النقص الذاتي للشاعر به في الدنيا والكاسب شوقا لنفسه إليه ، ثم تارك الجهد فيه ليكتسب العقل بالفعل اكتسابا تامّا ، والمعوّل على العصبيّة والجحد : فهي الداء العياء . والألم الكائن عنه بإزاء اللذّة الكائنة عن مقابله . وكما أنّ اللذة الآخريّة أجلّ من كلّ إحساس ملائم ، من مزاج أو التيام تفرّق اتصال ، كذلك ذلك الألم أشدّ من كلّ إحساس بمناف من مزاج نارىّ أو زمهريرىّ ، أو تفرّق اتّصال بكلّ ضرب وقطع . ونحن أيضا لا نتصور ذلك الألم للمعنى الذي قرّرناه . وكما أنّ الألم الحسّى هو الاحساس بالمنافى بالشوق والحركة إلى ضدّه كذلك هذا الألم .