زاد القوم ، وفنى الطعام أو الشراب إلى غير ذلك من الاستعمال . فلم قلتم أنه ليس المراد به / أحد هذين المعنيين ؟ بل حمله عليهما أولى من حمله على ما ذكرتم لوجهين :
أحدهما : أنه خص الفناء بمن في الأرض . وتخصيص الحكم بالشيء دلالة قصر الحكم عليه عند البعض وإمارة قصره عند الكل . الثاني : أن ما ادعيتموه من الفناء يعني الإعدام يكون دفعة واحدة ويستحيل أن يكون فيه شيئا فشيئا لما أن الفناء الذي هو ضد الأجسام يوجد لا في محل فيفنى الكل دفعة واحدة . وقد ذكرنا أن الفناء يقتضي حصول مفهومه شيئا فشيئا وذلك ممكن فيما ذكرنا .
وأما قوله تعالى :
« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ »
« 1 » فنقول : لا نسلم أن المراد به العدم الذي ذهبتم إليه ، وذلك لا يستعمل في الموت قال الله تعالى :
إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ
« 2 »
»
أي مات فقال :
« وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها
« 3 »
»
. ويستعمل أيضا في خروج الشيء عن كونه منتفعا به الانتفاع المقصود ، ولذلك يقال « 4 » فيما تغير عن حاله وأنتن حتى أن خرج من أن يكون منتفعا ( به ) « 5 » الانتفاع الذي يقصد منه ، وهو للأكل في الطعام والشرب في الشرب ، أنه هلك . وكذلك إذا بلي الثوب حتى خرج عن أن يكون منتفعا به الانتفاع الذي يقصد فيه وهو اللبس فيقال أنه هلك . وفي التفسير كل عمل ما أريد به وجه الله فهو هالك ، وخرج على هذا ما يقال أنه يبقى « 6 » فيه بعد التفريق نوع من أنواع الانتفاع فإنه لا يمكن أن يزول عنه كونه دليلا على الصانع لأن ذلك منفعة عامة في كل الجواهر .
ثم بعد ذلك لكل نوع من الخصوص منفعة يقصد إليها ، وإذا خرج عن تلك المنفعة المقصودة بذلك النوع فإنه يقال فيه هلك كالثمرة أو البطيخة إذا يبست وإن كان يمكن أن يجعل في صنجة الميزان ويرمى بها وجه العدو . وحمل النص على أحد ما ذكرنا من
هامش
( 1 ) القصص ، آية : 88 .
( 2 ) النساء ، آية : 176 .
( 3 ) القصص ، آية : 58 .
( 4 ) في الأصل : « تعالى » .
( 5 ) أضيفت ليستقيم السياق .
( 6 ) في الأصل : « يفنى » .