الرابع : إن الكذب يسمى خلقا واختلاقا . قال تعالى :
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
« 1 » وقال :
إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ
« 2 » وقال :
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
« 3 » وما ذاك إلا لأن الكاذب يقدر المعدوم موجودا في ذهنه أولا ، ثم يعبر عنه بلفظه .
الخامس : إن أهل اللغة يقولون : خلقت من الأديم خفا ، ومن الشقة قميصا . قال الشاعر « 4 » :
ولا يئط بأيدي الخالقين ، ولا * أيدي الخوالق إلا جيد الآدم
وقال « 5 » :
ولأنت تفري ما خلقت ، وبع * ض القوم ، يخلق ، ثم لا يفري
وقال الحجاج في خطبته « 6 » : « ولا أخلق إلا فريت » أي لا أهم إلا أمضيته .
إذا عرفت هذا فنقول : أما الخلق بمعنى الإحداث والإيجاد . فعندنا : أنه سبحانه - منفرد به . وأما بمعنى التقدير ، فهو أيضا على ضربين : أحدهما : إحداث الشيء على مقدار مخصوص .
والخلق بهذا التفسير يرجع حاصله إلى كيفية مخصوصة في الإحداث . فإذا لم يصح الإحداث إلا من اللّه تعالى ، فكذلك التقدير بهذا التفسير ، وجب أيضا أن لا يصح إلا من اللّه تعالى . والثاني :
إن حكم الحاكم بأن ذلك الشيء وقع على ذلك المقدار يسمى تقديرا أيضا . يقال : السلطان قدر لفلان من الرزق كذا ، ومن المملكة كذا . والتقدير بهذا التفسير يصح صدوره عن العبد .
ولما لخصنا هذه المقدمة ، فلنرجع إلى تقرير الدلائل والبينات :
الحجة الأولى في بيان أن اللّه تعالى خالق لأعمال العباد : نقول : عمل العبد شيء ، وكل شيء فهو مخلوق للّه تعالى . لقوله تعالى :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
« 7 » ينتج : أن عمل العبد مخلوق للّه تعالى « 8 » . واعلم : أنا قبل الخوض في تعديد السؤالات والجوابات نقدم أمرين لا بد منهما .
أما الأول : فهو أن نقول : إن الموجود إما أن يكون واجبا لذاته أو ممكنا لذاته ، والممكن
هامش
( 1 ) سورة الشعراء الآية 137 . ولا بد من الإشارة إلى أن في الآية قراءتان . فقد قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وخلف العاشر خلق بضم الخاء واللام بمعنى العادة . وقرأ الباقون ابن كثير وأبو عمرو والكسائي خلق بإسكان اللام وفتح الخاء . على معنى أنهم قالوا خلقنا كخلق الأولين . وقيل : ما هذا إلا اختلاف الأولين أي كذبهم . ( راجع حجة القراءات لابن زنجلة ( ص 518 ) ، والنشر في القراءات العشر ( 2 / 222 ) . وسراج القارئ المبتدئ ( ص 308 ) ، والمغني في توجيه القراءات العشر المتواترة لمحمد سالم محيسن ( 3 / 99 ) .
( 2 ) سورة ص الآية 7 .
( 3 ) سورة العنكبوت الآية 17 .
( 4 ) في الأصل المطبوع « ولا ييط » بياءين ولم أقف على صاحبه .
( 5 ) البيت للشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى ( لسان العرب 2 / 1245 ) .
( 6 ) من خطبة الحجاج بن يوسف حين توليه الكوفة . وانظرها في تاريخ الطبري ( 6 / 202 - 204 ) .
( 7 ) سورة الرعد الآية 16 . والزمر الآية 62 .
( 8 ) قوله ينتج أي أن المقدمتان الكليتان الموجبتان تنتجان هذه النتيجة والقياس هذا من الشكل الأول .