لذاته . لا يترجح عدمه على وجوده ، ووجوده على عدمه ، إلا بترجيح الواجب لذاته . وقد قررنا هذه النكتة في باب الدلائل العقلية . فيثبت : أنه تعالى هو الخالق والموجد والمقدر لجميع الممكنات . ولما كان فعل العبد من جملة الممكنات ، وجب دخوله في هذه القضية . فثبت : أن ظاهر قوله سبحانه :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
قد تأكد بهذا البرهان العقلي القاطع .
وأما الثاني : فهو أنه تعالى ذكر هذه الآية في مواضع من كتابه : إحداها : قوله تعالى :
أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ . خَلَقُوا كَخَلْقِهِ . فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ . قُلِ : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
« 1 » وثانيها : قوله تعالى :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . فَاعْبُدُوهُ
« 2 » وثالثها : قوله :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
« 3 » ورابعها : قوله :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ . فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
« 4 » .
فإن قيل : دليلكم ينتج أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى . ونحن نقول بموجبه . وذلك لأن الخلق عبارة عن التقدير . وعندنا : أن أفعال العباد واقعة بتقدير اللّه تعالى ، وإن كانت حاصلة بإيجاد العبد وإحداثه .
لا يقال : هذا مدفوع من وجهين :
الأول : إن التقدير عبارة عن الفكرة والروية والظن والحسبان . وذلك في حق اللّه تعالى ممتنع . ولما امتنع حمل كونه خالقا لأفعال العباد ، على معنى التقدير ، وجب حمله على معنى الإحداث .
الثاني : هب أن كونه تعالى خالقا لأفعال العباد ، عبارة عن كونه تعالى مقدرا لها إلا أن التقدير عبارة عن إيقاع ذلك الفعل في زمان مخصوص ، ومحل مخصوص ، على وجه مخصوص .
وهذا المعنى لا يتأتى إلا ممن كان محدثا للفعل . فلما ثبت بهذا النص : أنه تعالى مقدر لأفعال العباد ، وثبت بالعقل : أن مقدر الأفعال يجب أن يكون موجدا لها ، لزم من مجموع الأمرين كونه تعالى موجدا لأفعال العباد . لأنا نقول :
أما الأول . فجوابه : إن التقدير عبارة عن إيقاع الفعل على قدر مخصوص . وهذا المعنى لا يحصل إلا بالعلم أو الظن . ثم إن كان العلم حاصلا ، كما في حق اللّه تعالى ، فلا حاجة إلى الفكرة ، وإن لم يكن حاصلا كما في حق العبد . فهناك يحتاج إلى الفكرة لتحصيل ذلك العلم . أو ذلك الظن .
وأما السؤال الثاني : فجوابه : أن نقول : إنه تعالى مقدر لأفعال العباد . بمعنى أنه تعالى
هامش
( 1 ) سورة الرعد الآية 16 .
( 2 ) سورة الأنعام الآية 102 .
( 3 ) سورة الأنعام الآية 101 .
( 4 ) سورة الفرقان الآية 25 .