متطلّباتهم ، والحال أنّها في الواقع أعجز من أن تفعل شيئاً لنفسها فضلًا عن غيرها ، ولذلك ذمّ القرآن الكريم اعتقادهم هذا بقوله :
« وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ » .
« 1 »
وقوله سبحانه :
« إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ . . . » .
« 2 »
وبعبارة مختصرة : إنّ المشركين اعتقدوا أنّ الأوثان تمتلك القدرة الخارقة على الفعل ، ولذلك وقفوا أمامها بمنتهى الذلّة والخضوع ، مستمدّين منها العون لقضاء حوائجهم ، ومعتقدين أنّها الفاعل التام والمتصرف المطلق في عالم الخلق .
وبالطبع أنّ طلب الحاجة بهذا النحو من الاعتقاد يعدّ وبلا شكّ ولا ريب حراماً قطعاً وشركاً جليّاً لا يمكن الفرار منه .
وأمّا الدعاء وطلب الشفاعة من شخص قد منحه اللَّه ذلك المقام فلا يُعدُّ شركاً ، لعدم توفر شروط الشرك فيه .
ثالثاً : إنّ للدعاء معنىً وسيعاً وشاملًا ، وأحياناً يطلق على العبادة على نحو الاستعمال المجازي ، كما في قوله تعالى :
« ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ . . . » .
« 3 »
وكما ورد في الحديث : « الدُّعاء مخّ العبادة » . « 4 » والذي استدلّ به المانع لطلب الشفاعة من البشر ، والحال أنّ مثل هذه الاستعمالات الجزئية والمجازية لا تعتبر مبرراً ودليلًا لتفسير الدعاء بالعبادة دائماً ، ورفض طلب الحاجة من غير اللَّه ودعائه ، واعتبار ذلك أمراً غير معقول وأنّه شرك . « 5 »
هامش
( 1 ) . الأعراف : 197 .
( 2 ) . الأعراف : 194 .
( 3 ) . غافر : 60 .
( 4 ) . إرشاد القلوب للديلمي : 135 .
( 5 ) . منشور جاويد : 8 / 141 - 143 .