الفصل الثامن فى أن العلم اليقينى بكل ما له سبب من جهة سببه و مراعاة نسب حدود البرهان من ذلك ( 82 ) ثم نقول : إذا كان لحمل محمول على موضوع دائما ، أو سلبه عنه دائما ، أو لحمله أو سلبه فى وقت معين يكونان فيه بالضرورة علة لتلك العلة ، صارت النسبة بين الموضوع و المحمول تلك النسبة . و ذات المحمول و الموضوع ليس لها - لو لا تلك العلة - تلك النسبة بالوجوب بل بالإمكان . و إذا علما من غير الوجه الذى به صار حكم ما بينهما ضرور يا على تلك النسبة ، فقد علما من جهة غير الجهة التى بها لا يمكن ألا يكونا بتلك الحال : و ذلك هو أن يعلم الحكم بوجه غير وجه السبب الذى يوجبه : لأن كل نسبة للموضوع إلى المحمول المذكورين ؛ و للمحمول إلى الموضوع المذكورين تفرض واقعة لا من الجهة التى توجبها العلة ، فهى واقعة من جهة إمكان لا وجوب . فيكون قد علم أن كذا كذا ، و لم يعلم أنه لا يمكن ألا يكون كذا ؛ إذ لا يعلم ما به لا يمكن ألا يكون كذا . فإن قاس إنسان فقال : إن فلانا به بياض البول فى حمى حادة ، و كل من به بياض بول فى حمى حادة فهو يعرض له سرسام ، و أنتج ، لم يكن له بما أنتج علم يقينى أو يعلم . و كذلك لو قال قائل :
إن كل إنسان ضحاك ، و كل ضحاك ناطق ، فلا يجب من هذا أن يتيقن أن كل إنسان ناطق ، بحيث لا يجوز ، أن يصدق بإمكان نقيض هذا : و ذلك لأن الضحك - أى قوة الضحكية - لما كانت معلولة لقوة النطق ، فما لم يعلم وجوب قوة المنطق أولا للناس ، و وجوب إتباع قوة الضحك لقوة النطق ، لم يجب أن يتيقن أنه لا يمكن أن يوجد إنسان ليست له قوة الضحك إلا أن يوجد ذلك فى الحس ؛ و الحس لا يمنع الخلاف فيما لم يحس أو يوجد بالتجربة . و أما العقل فيمكن إذا ترك العادة أن يشك فى هذا فيتوهم أنه ليس للإنسان قوة ضحك دائما و للجميع ، أو يتوهمه زائلا ، إذ ليس بمقوم لماهية الإنسان أو بيّن الوجود له ؛ إلا أن يكون تيقنه بوجوب كون الإنسان ناطقا بوجب كونه ضاحكا - إن أوجب و لم يحتج إلى زيادة . و حينئذ يكون قد عرف وجوبه بعلته فاستحال أن يعود و تبين به العلة . فإن فرضنا أنه ليس يعرف أن الإنسان ناطق ؛ فحينئذ لا يتبين له أن الإنسان ضحاك باليقين و من طريق الناطق . و إن كان بينا مثلا أن كل ضحاك ناطق فكيف بصير من ذلك بينا أن الإنسان ناطق ؟ و بالجملة إذا كان معلوما أن الانسان ناطق لم يكن لطلبه و القياس عليه وجه . و إن كان مما يطلب و يجهل ، فالصغرى فى هذا القياس مجهولة يجب أن تطلب . فإذن من
برهان شفا ( فارسى ) — صفحة 72
مساهمون: أبو علي سينا
ص٧٢