يختلف ذلك باختلاف الأمم والأعصار على ما حققناه .
فإن قيل : لو كان الأمر على ما ذكرتموه لوجب أن من أراد قضاء حاجة وكان سبيله فيها إما الصدق وإما الكذب ، وهما بالنسبة إلى قضاء حاجته سيان ، أن لا يرجح الصدق على الكذب . وأن من رأى شخصا في الهلاك ، وهو قادر على إنقاذه وخلاصه ، وليس له في إنقاذه غرض ، ولا هو متدين بدين ، بل ربما أوجب ذلك عنده تعبا ونصبا ، أن لا يرجح عنده الإنقاذ على عدمه ، وهو مما تقضي العقول السليمة برده وإبطاله . وإذا ثبت الترجيح فلو لم يكن ذلك لحسنه في ذاته وإلا كان عبثا وسفها . ثم كيف ننكر ذلك والعقل الصريح يقضي ببديهته على حسن العلم والإيمان ، وقبح الجهل والكفران ، من غير توقف على أمر خارج أصلا ؟ ومن أنكر ذلك فهو لا محالة معاند مجاحد ، مع أن اتفاق العقلاء على ذلك مما يخصمه .
قلنا : ما ذكرتموه من الإلزامات واعتمدتموه من الخيال ، مهما قطع النظر فيها عما ذكرناه من المقاصد والأغراض ، فالترجيح لا محالة يكون ممتنعا ، والمحتج به يكون منقطعا . ومهما لم يكن بد من الأغراض فيما حكم العقل بحسنه أو قبحه امتنع أن يكون ذلك له ذاتيا ، كما مهدناه .
ومن قضى بإطلاق التحسين لما حسنه أو التقبيح لما قبحه ، من غير اقتصار على متعلق الغرض ، فليس ذلك إلا لذهوله عن محز الغلط ومثار الفرط ، وهو إما حبه لنفسه ، وشغفه بما تعلق به غرضه ، فإنه قد يحكم إذ ذاك قطعا بحسن ما وافق غرضه وقبح ما خالفه ، من غير التفات إلى غرض الغير ؛ لكونه غير مشغوف به ، وذلك كمن يحكم بحسن صورة ما أو قبحها ؛ لما وافق من غرضه أو خالف ، مطلقا ، وإن جاز أن يكون غرض غيره مخالفا لغرضه .
وقد يكون ذلك لكون ما يحكم بحسنه أو قبحه مما يوافق الأغراض
غاية المرام في علم الكلام — صفحة 207
مساهمون: سيف الدين الآمدي
ص٢٠٧