تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وجوب وجوده ، وعظم جلاله في وحدانيته . فلا يصلح أن يكون غرضا ، وإلا لوجب حصوله من كل وجه على نحو لا يختلف من وجه ما ، وإلا عد عاجزا عن تحصيل غرضه من ذلك الوجه . ولم يكن هلاكه لما خلق لأجل صلاحه وانتظام أحواله ، وذلك كما في حق الغرقى ، والحرقى ، والمسمومين ، والهلكى بالرياح العاصفة ، كما مضى فيمن هلك من الأمم السابقة ؟ بل وكم من تارك النظر في الآيات والدلائل الباهرات ، ولم يلتفت إلى ما فيها من جهات الاستدلالات ؟ ولهذا لو نسبنا الناظر المؤمن إلى الجاحد الكافر لم نجده إلا قليلا من كثير . ثم لا محالة أن فائدة الاطلاع على وجوب وجود واجب الوجود ، ومعرفة وحدانيته ، لا سبيل إلى القول بعودها إليه ؛ إذ هو يتعالى ويتقدس عن الأغراض ، كما سبق . فلا بد وأن يعود إلى الناظر ، وتلك الفائدة عند البحث عنها لا تخرج عن الالتذاذ بنفس المعرفة والثواب عليها ، وذلك كله مقدور أن يحصله اللّه - تعالى - للعبد من غير واسطة ، بأن يخلق له العلم بديا بمعرفته ، وأن ينيله الثواب الجزيل بدون النظر إلى نظره وطاعته . وعلى هذا يخرج القول بوجوب التكليف أيضا . ولا يصح أن يقال : إن الثواب على النظر والمشاق اللازمة بالفكر والتزام الطاعات بفعل المأمورات واجتناب المنهيات ألذ من أن يكون بديا ، لانتفاء المنة والامتنان ؛ فإنا نلوذ بجناب الجبروت ، ونستعيد بعظمة الملكوت ، ممن يتجاسر على الإفصاح بهذا الافتضاح ، ويتفوه بالتكبر على اللّه - تعالى - ، والتجنب من الدخول في مننه ، والاشتمال بنعمته . وكيف السبيل إلى الخروج عن ذلك وأين المفر منه ؟ وهل أصاب إيجاده مبرأ من الآفات ممكنا من اللذات ، أو خلق ما يصدر عنه من الطاعات وأنواع العبادات إلا بفضل من اللّه - تعالى - بديا من غير سابقة طاعة أو فعل عبادة ؟ وهل نعمه السابقة إلينا ، المشتملة علينا مما يمكن القول بعدها ، أو التعرض لحصرها ؟
غاية المرام في علم الكلام — صفحة 210 | سيف الدين الآمدي