وبعد هذا فلم يبق إلا الرد على أهل الضلال ، وهو أن يقال :
الحاكم بالحسن والقبح على ما حكم بكونه حسنا أو قبيحا إما العقل أو الشرع لا محالة . فإن كان الحاكم هو العقل فلا محالة أن ما حكم العقل به من التحسين والتقبيح ، لو خلي ودواعي نفسه في مبدأ نشوئه إلى حين وفاته من غير التفات إلى الشرائع ، والعادات والأمور الاصطلاحيات ، والموافقات للأغراض والمنافرات ، لم يجد إلى الحكم الجزم بذلك سبيلا .
وإذا لم يكن في الحكم بهذه الأمور بد من النظر إلى ما قدرناه فهي لا محالة مختلفة بالنسبة والإضافة ؛ إذ رب شيء حكم عليه عقل إنسان ما بكونه حسنا لكونه موافقا لغرضه ، أو لما فيه من مصلحته أو دفع مفسدته ، أو لكونه جاريا على مقتضى عادته وعادة قومه عرفا أو شرعا ، وقد يحكم عليه عقل غيره بكونه قبيحا ، لكونه مخالفا له فيما وافق غرضه ، وذلك كالحكم على ذبح الحيوان بالحسن والقبح ، بالنسبة إلى أهل الشرائع المختلفة ، وكالحكم بالحسن والقبح على سمرة اللون مثلا بالنسبة إلى من يستحسنها أو يستقبحها .
وكالحكم بقبح الكذب الذي لا غرض فيه ، وحسنه إذا قصد به إحقان دم نبي أو ولي من غاشم يقصد قتله . وهلم جرا في كل ما يقضي العقل ، باعتباره ، على كون الشيء حسنا أو قبيحا . ولو كان ذلك ذاتيا لما اختلف باعتبار النسب والإضافات ، بل لوجب أن يكون متحققا مع تحقق الذات وإن تغيرت الحالات كما في سائر الذاتيات .
وإن كان الحاكم به الشرع فلا محالة أنه قد بكون القتل مثلا أو الكذب قبيحا في حق العاقل القاتل لا لغرض ، ولا يحكم بقبح ذلك في حق الصبي والمجنون . بل وقد يحكم بحسن شريعة ما بالنسبة إلى قوم ويقبحها بالنسبة إلى آخرين ، ولهذا صح القول بنسخ الشرائع ، ولو كان القضاء فيه بالحسن أو القبح على شيء ما لذاته ونفسه ، لا لنفس الخطاب ، لما تصور أن
غاية المرام في علم الكلام — صفحة 206
مساهمون: سيف الدين الآمدي
ص٢٠٦