اللَّه يوما و قال : انك لم تبق ديوانا من الشعر الا قضيت حقه ، أما آن لك أن تتفرع لتفسير كتاب اللَّه العزيز ؟ تقرأه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقاصي البلاد و تتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار ، يعني الاستاذ الامام احمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي ، فقلت : يا أبت انما اتدرج بهذا الى ذاك الذي تريد و إذا لم احكم الادب بجد و تعب لم أرم في غرض التفسير من كثب [ 1 ] ، ثم لم اغب زيارته يوما من الايام حتى حال بيننا قدر الحمام .
و أما النحو : فاني لما كنت في ميعة [ 2 ] صباى و شرخ [ 3 ] شبيبتى وقعت [ 4 ] الى الشيخ ابي الحسن [ 5 ] علي بن محمد بن ابراهيم الضرير ، و كان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو و غوامضه ، و أعلمهم بمضايق طرق العربية و حقائقها ، و لعله تفرس في و توسم الخير لدي ، فتجرد لتخريجي ، و صرف وكده [ 6 ] الى تأديبي و لم يدخر عني شيئا من مكنون ما عنده ، حتى استأثرني بأفلاذه [ 7 ] ، و سعدت به افضل ما سعد تلميذ باستاذه ، و قرأت عليه جوامع النحو و التصريف و المعاني ، و علقت عنه قريبا من مائة جزء في المسائل المشكلة ، و سمعت منه اكثر مصنفاته في النحو و العروض و العلل .
هامش
[ 1 ] الكثب ( بفتح الكاف و الثاء المثلثة ) : القرب .
[ 2 ] الميعة : اول العمر .
[ 3 ] الشرح : اول الصبا .
[ 4 ] وقعت : اتصلت .
[ 5 ] ابو الحسن الضرير النحوي النيسابوريّ المتوفى حدود ( 420 ) ه .
[ 6 ] الوكد ( بضم الواو ) : السعي و الجهد .
[ 7 ] الافلاذ : الابناء .