الأجرام هي أعضاؤه وأركانه الظاهرة والباطنة واللّه تعالى هو المدبّر فيه والقيوم له بحيث لا شأن في ذلك إلّا وهو شأنه ، ولهذا الإنسان الشريف جنبتان لا محالة كما لسائر الأفراد الإنسانية ، لكن اعتبارهما في ذلك الإنسان يمكن من اعتبارات ثلاثة :
فالاعتبار الأوّل ، إحدى الجنبين عالم النور والقدس ومرتبة العقل والنفس وهي الجنبة العالية ، والجنب الآخر عالم الطبائع والأجسام ومنزل الأبعاد والأجرام وهي الجنبة السافلة ، وقد يعبّر عنهما بيدي اللّه سبحانه ، لكن « كلتا يدي ربّنا يمين » .
والاعتبار الثاني ، هو أن تكون الجنبتان كلاهما في عالم الأنوار ومنزل الأخيار لكن الجنبة العالية عبارة عن الأنوار العقلية والأرواح الشريفة والنفوس الكلية الإلهية والجنبة السافلة هي الأرواح الخسيسة والنفوس الشيطانية من الجنّيّة والإنسية .
والاعتبار الثالث ، هو أن تكون الجنبتان كلتاهما في عالم الأجسام فالجنبة العالية عالم العرش الذي هو صفو هذه الأجرام ولطيف تلك الأجسام وهو الجسم النوري المتاخم لأفق النور والحد المشترك بين عالم القدس وعالم الزور ومنه طينة عليّين وموطن الملائكة المقرّبين ، والجنبة السافلة هي مرتبة كثائف الجسمانيات وشوائب الماديّات وموطن ثقالة الأجرام وكدورة الأجسام .
إذا دريت ذلك فاعلم انّه لمّا كان هذا الإنسان الذي هو العالم الكبير قوام ذاته وقيام وجوده بعلّته التي هي العلّة الأولى ، إذ لا شيء خارج من هذا الإنسان بل كلّه باللّه ومن اللّه ، لأنّه بنفسه ليس وبعلّته أيس كما حقّقنا قبيل ذلك ، ولا ريب انّ الأنبياء والأولياء هو شرائف أجزاء هذا الإنسان ولطائف أعضائه وكرائم قواه وأركانه ، سيّما صاحب الولاية الكلية المحيطة بسائر مراتب الولايات ، فإنّه يجب أن يكون أصلا في ذلك وباقي الأولياء فروعه وأشياعه وشعبه وأتباعه بل هو هذا الإنسان إذا نظرت بعين العرفان فمن الآداب المستحبّة ، بل من الفرائض العقلية والواجبات العرفانية أن ينسب ذلك الوليّ كلّ خير وكمال وكلّ بهاء وجمال فيه إلى اللّه لأنّه ما رأى شيئا في نفسه وفي غيره إلّا ورأى اللّه قبله ، كما ورد عنه - عليه
شرح توحيد الصدوق — صفحة 769
مساهمون: القاضي سعيد القمي
ص٧٦٩