لكمال ظهوره ، فانّ الشيء إذا جاوز حدّه انعكس إلى ضده ، والثاني قد ورد في احتجاب الخلق عنه وبعدهم عنه ، وحجابهم نفس خلقيّتهم « 1 » وهي جهة السلب والعدم ، فالمؤمنون المخلصون فنوا عن وجودهم الخلقي ، وبقوا بالحق ، منعّمين ورجعوا إلى ربّهم راضين مرضيّين ، وغيرهم احتجبوا في حجاب الخلقية « 2 » ، وأقاموا في القرية الدنيوية ، واطمأنّوا بهذا الخراب ، فوقعوا خلف الحجاب ، فهم يوم القيامة عن ثواب ربّهم محجوبون وإلى جهنّم أهل البعد صائرون ؛ فتبصّر !
فائدة
قيل : الحجاب حجابان : حجاب غفلة وحجاب كفر . فمن حجب في دنياه بالغفلة والركون إلى دار الشهوة وصرف عمره في تحصيل اللذة لكن كان من أهل السعادة الظاهرة ، حجب في الجنّة عن الرحمة الخاصة بأهل السابقة ؛ ومن حجب في دنياه بالكفر حجاب في النار بالغضب والنقمة .
أقول : للكفر دركات كما أنّ للإيمان درجات ، فأهل كلّ مرتبة محجوبة عن الذي أعدّ اللّه للّذي فوقه ، وبذلك جرت سنة اللّه التي لا تبديل لها .
نكتة
وبالجملة ، فالحجاب ليس من جهة اللّه تعالى ولا بينه سبحانه وبين خلقه ، بل الخلق محجوبون بأعمالهم وأخلاقهم واعتقادهم كأنّها سحائب متراكمة وظلمات بعضها فوق بعض متفاقمة ، ولذلك نسب المحجوبية إليهم في الآية الكريمة ، فقال تعالى :
إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
وإلّا فنوره سبحانه محيط بكل ذرّة من ذرّات الوجود ، ولا يعزب عن مشرق جماله مصداق الشيء والموجود ، فسبحان
هامش
( 1 ) . خلقيّتهم : خلقتهم د .
( 2 ) . الخلقية : خلقته د .