تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح توحيد الصدوق — صفحة 623

مساهمون:

ص٦٢٣
وعقول الكفّار منتكسة ، وكذا إدراكاتهم ، فمثلهم كرجل
فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ
« 1 » فالبحر اللّجيّ هو الدنيا بما فيها من الأخطار المهلكة والأشغال المردية ، والموج الأوّل موج الشهوات الداعية إلى الصفات البهيميّة والاشتغال باللّذات الحسيّة ، فيأكلون ويتمتعون كما يأكل الأنعام ، وبالحريّ أن يكون هذا الموج مظلما لأنّ « حبّ الشيء يعمي ويصمّ » ، والموج موج الصفات السبعية الباعثة على العداوة والبغضاء والتفاخر والتكاثر ، وبالحريّ أن يكون مظلما لأنّ الغضب غول العقل ، وينبغي أن يكون هو الموج الأعلى لأنّ الغضب في الأكثر يستولي على الشهوات ، حتّى إذا هاج أذهل عن الشهوات . وأمّا السّحاب فهو الاعتقادات الخبيثة والآراء الفاسدة التي صارت حجابا بين المرء وإيمانه ومعرفة الحق والاستضاءة بنور شمس القرآن والعقل ، فانّ من خاصية السحاب أن يحجب عن إشراق الشمس . وإذا كانت مظلمة فبالحريّ أن يكون ظلمات بعضها فوق بعض ؛ ولمّا كانت هذه الظلمات يحجب عن معرفة أحوال النبيّ الأشياء القريبة فضلا عن البعيدة ولذلك حجب الكفّار عن معرفة أحوال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - مع قرب متناولة وظهوره بأدنى تأمّل ، فبالحريّ أن يعبّر عنه بأنّه لو
أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها
. وإذا كان منبع الأنوار كلّها من النور الأوّل الحق كما سبق ، فبالحريّ أن يعتقد كل موحّد أنّ
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
! انتهى ما رمنا تلخيصه من رسالة مشكاة الأنوار للعلّامة الغزالي ولعمر الحبيب انّه قد بلغ الغاية القصوى من ذوق أمثاله ، فجزاه اللّه عن زمرة أهل العلم بما يليق بأحواله والحمد للّه أوّلا وآخرا . وللأستاذ القمقام صدر المتألّهين « 2 » رسالة شريفة في تفسير الآية الكريمة أبدع فيها من إبراز اللّطائف وأظهر أنوارا من المعارف ، رأينا تلخيصه من سوء الأدب
هامش
( 1 ) . النور : 40 . ( 2 ) . تفسير آية النور ، طبع حجريّا سنة 1322 ه ، وأخيرا صحّحه محمد الخواجوي وطبعه طبع مؤسسة نشر مولى ، طهران 1403 ه .