يطلق النور على البصيرة الباطنية لأنّها أقوى إدراكا ، فهي تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات وتغوص في بواطنها وتتصرّف فيها بالتركيب والتحليل .
ثمّ من البيّن انّ هذه الإدراكات ليست لها بذاتها والّا لما فارقتها ، فهي إذن من سبب يفيض عليها وهو اللّه سبحانه ابتداء أو بتوسّط من الملائكة والأنبياء ، ولذلك سمّوا أنوارا . ويقرب منه قول ابن عباس : انّ معناه : اللّه هادي من في السماوات والأرض ، فهم بنوره مهتدون . وأمّا إضافة « النور » إلى « السماوات والأرض » فللدّلالة عليه سعة إشراقه كما في قوله :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
أو لاشتمالهما على الأنوار الحسية والعقلية ، وقصور الإدراكات البشرية عن الإحاطة بهما وبما يتعلّق بهما وبما يدلّان عليه ، فكيف بما ورائهما من الأنوار الغيبية والإشراقات الإلهية » - انتهى كلامه بأدنى توضيح .
وقيل : اللّه منوّر بواطن الملائكة حتّى سبّحوه وقدّسوه ، ومنوّر قلوب الرسل حتّى عرفوه وعبدوه حق العبودية وكذلك المؤمنون ؛
وقيل : نور السماوات : الملائكة ، ونور الأرض : الأنبياء والأولياء ؛
وقيل : النور في السماء إظهار الهيبة ، والنور في الأرض إظهار القدرة ؛
وقيل : من عرف انّ اللّه نور السماوات والأرض لم يمنّ على اللّه بطاعته ولا بسبب ذكره ولا بشيء من أبواب الخير لأنّ اللّه وفّقه لذلك وهداه ، ونوّر قلبه واصطفاه ، لأنّه يقول :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
؛
وقيل انّه : انّ منوّر قلوبكم حتّى عرفتم ووحّدتم ، وختم بقوله : « يهدي لنوره من يشاء » . وكان أوّل ما ابتدأ به اللّه نور السماوات والأرض أي انا مبتدئ النعم ومتمّها وإليّ خاتمتها ، فالأوّل فضل والآخر مشية ، فهو المجتبي لأوليائه والهادي لأصفيائه ؛
وقيل : انّ اللّه نور السماوات والأرض وهو نور النور ، يهدي من يشاء بنوره إلى قدرته ، وبقدرته إلى غيبه ، وبغيبه إلى قدمه ، وبقدمه إلى أزله وأبده ، وبهما إلى