تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح توحيد الصدوق — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
والمبيّن لأهل السماوات والأرض أمور دينهم ومصالحهم ؛ فلمّا كان باللّه وبهداه يهتدي أهل السماوات والأرض إلى مصالحهم وأمور دينهم كما يهتدون بالنور الذي خلقه اللّه لهم في السماوات والأرض إلى صلاح دنياهم ، قال : انّه نور السماوات والأرض على هذا المعنى ، وأجرى على نفسه هذا الاسم توسّعا ومجازا ، لأن العقول دالّة على انّ اللّه عزّ وجلّ لا يجوز أن يكون نورا ولا ضياء ولا من جنس الأنوار والضياء ، لأنّه خالق الأنوار وخالق جميع أجناس الأشياء . وقد دلّ على ذلك أيضا قوله :
مَثَلُ نُورِهِ
وانّما أراد به صفة نوره . وهذا النور هو غيره لا به ، شبّهه بالمصباح وضوءه الذي ذكره ووصفه في هذه الآية . ولا يجوز أن يشبّه نفسه بالمصباح ، لأنّ اللّه لا شبه له ولا نظير ، فصحّ انّ نوره الذي شبّهه بالمصباح انّما هو دلالته أهل السماوات والأرض على مصالح دينهم وعلى توحيد ربّهم وحكمه وعدله . ثمّ بيّن وضوح دلالته هذه وسمّاها « نورا » من حيث يهتدي به عباده إلى دينهم وصلاحهم ، فقال : مثله مثل كوّة ، وهي المشكاة فيها المصباح ، والمصباح هو السراج في زجاجة صافية شبّهه بالكوكب الدرّيّ في صفاءه ، والكوكب الدرّيّ هو الكوكب المشبّه بالدرّيّ في لونه ، وهذا المصباح الذي في هذه الزجاجة الصافية يتوقد من زيت زيتونة مباركة ، وأراد به زيتون الشام ، لأنّه يقال انّه بورك فيه لأهله . وعنى عزّ وجلّ بقوله :
لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ
انّ هذه الزيتونة ليست بشرقية ، فلا تسقط عليها الشمس في وقت الغروب ، ولا غربية فلا تسقط الشمس عليها في وقت الطلوع ، بل هي في أعلا شجرها والشمس تسقط عليها في طول نهارها فهو أجود لها وأضوأ لزيتها . ثمّ أكّد وصفه لصفاء زيتها ، فقال :
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ
لما فيها من الصفاء . فبيّن انّ دلالات اللّه التي بها دلّ عباده في السماوات والأرض على مصالحهم وعلى أمور دينهم هي في الوضوح والبيان بمنزلة هذا المصباح الذي في هذه الزجاجة الصافية ويتوقد بها الزيت الصافي الذي وصفه ، فيجمع فيه ضوء النار مع ضوء الزجاجة وضوء الزيت ، وهو معنى قوله :
نُورٌ عَلى نُورٍ
. وعنى بقوله عزّ وجلّ :
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
يعني من عباده وهم
شرح توحيد الصدوق — صفحة 584 | القاضي سعيد القمي