توجّهت على إيجاد هذه النشأة الإنسانية الإمامية . فقال عزّ وجلّ للملائكة :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
« 1 » فلمّا سمعت الملائكة ذلك ورأت انّه مركب من أضداد متنافرة ، وانّ روحه يكون على طبيعة مزاجه ،
قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
غيرة على جناب الحق ، فقالوا عن أنفسهم بما يقتضيه نشأتهم
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
. ثمّ انّ اللّه سبحانه
عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
يعني الأسماء الإلهية التي توجّهت على إيجاد حقائق الأكوان ومن جملتها الأسماء التي توجّهت على إيجاد الملائكة وهم لا يعرفونها فأقام المسمّين « 2 » بهذه الأسماء وهؤلاء المسمّون هي التجلّيات الإلهية للأسماء التي هي كالموادّ الصورية للأرواح ، فتلك التجليات بمنزلة الصور والأرواح مجموعهما ، فقال للملائكة :
أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ
يعني الصور التي تجلّى فيها الحقّ :
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
فيما ادعيتم « 3 » . فقالت الملائكة :
لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ
بما لا نعلم ،
الْحَكِيمُ
بترتيب الأشياء مراتبها ، فأعطيت هذه الخليفة ما لم تعطنا ممّا غاب عنّا ، فلولا انّ رتبة نشأته تطلب ذلك ما أعطت الحكمة أن يكون له هذا العلم الذي خصّصته به دوننا . فقال لآدم :
أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ
الّذين عرضناهم عليهم يعني التجلّيات الإلهية فأنبأ آدم الملائكة بأسماء تلك التجليات لأنّها كانت على عدد ما في نشأة آدم من الحقائق الإلهية التي يقتضيها اليدان الإلهيّة ممّا ليس ذلك في غيره من الملائكة . وكان هؤلاء المسمّون المعروضون على الملائكة تجلّيات إلهيّة في صورة ما في آدم من الحقائق ؛ فلمّا علّمهم آدم - عليه السّلام - قال اللّه لهم « 4 » :
اسْجُدُوا
له سجود المعلّمين للمعلّم من أجل ما علّمهم .
فاللّام من قوله :
لِآدَمَ
لام العلّة والسبب ، أي من أجل آدم . فالسجود للّه من
هامش
( 1 ) . البقرة : 30 .
( 2 ) . المسمّين : المسمّى م .
( 3 ) . ادعيتم : ادعيتم د .
( 4 ) . لهم : - د ر م .