حيث لم يصل وحي إلى نبيّ إلّا وقد وصل إليهم ، ثمّ بتوسّطهم وصل إلى ذلك النبي ؛ وهم خزّان علم اللّه بأن لا علم إلّا بما اكتسب من مدينتهم ، وأتي من بابهم ؛ وهم وجه اللّه حيث بهم يتوجّه اللّه إلى خلقه ويتوجّه الخلق إليه ، وعينه في بريّته حيث كانوا من اللّه في الخلق كالإنسان فيه ، وكإنسان العين للإنسان ؛ وهم لسانه الناطق حيث بهم ينطق اللّه إلى ملائكته ورسله حتّى انّه قد تكلّم بلسان عليّ مع رسول اللّه في معراجه ؛ وهم قلب اللّه الواعي على انّ كل ما وصل من اللّه من التبشير والإنذار إلى قلب أحد من الخلق فقبله ، فانّما هو بنورهم الذي أشرق في ذلك القلب ؛ وهم باب اللّه الذي يدلّ عليه حيث يدلّون كافة الخلائق إلى صلاحهم في معاشهم ومعادهم ليستكملوا ويستعدّوا لجوار اللّه ؛ وهم القائمون بأمر اللّه حيث لا يتنزّل شيء إلّا بأمره ولا يتكوّن متكون إلّا بإذنه ، فهم المباشرون لذلك ؛ وأيضا ، قال اللّه تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
« 1 » فقال صلّى اللّه عليه وآله : « شيّبتني سورة هود » فهم أيضا قائمون بما أمروا كما كان « 2 » رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - كذلك ؛ و « الأمر » أيضا هو النفس الكلية ، فإذا كانوا متسلطين عليه والخلق تابع ، للأمر فلهم بإذن اللّه « الأمر والخلق » وهم الدّاعون إلى سبيل اللّه حيث دعوا الأوّلين والآخرين إلى اللّه ؛ وكل نبيّ جاء من عند اللّه فإنّما هو من قواد طليعتهم وروّاد شريعتهم ، وبهم عرف اللّه وبهم عبد اللّه « 3 » لأنّه بسبب تعليم وإرشادهم للأوّلين والآخرين صاروا عابدين للّه وعارفين به ، حتّى انّ جبرئيل في جنان الصاقورة ذاق من حدائقهم الباكورة « 4 » . ويؤيّد هذا المعنى تعقيب ذلك بقوله :
« نحن الأدلّاء على اللّه » ولولاهم ما عبد اللّه وما عرف اللّه فلم يحصل الغرض من
هامش
( 1 ) . هود : 112 ، والرواية في مجمع البيان ، ج 5 ص 304 وفيه : « شيّبتني هود والواقعة » .
( 2 ) . كان : كانوا د .
( 3 ) . اقتباس من حديث : « بنا عبد اللّه وبنا عرف اللّه » ( الكافي ، ج 1 ، ص 145 ) .
( 4 ) . اقتباس من حديث منقول من كلام الإمام الحسن العسكري ( ع ) : « . . . وروح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة » ( بحار ، ج 26 ، ص 265 ) .