كونه نبيّا ملكا أو نبيّا عبدا ، فأشار جبرئيل - عليه السّلام - وهو حاضر ، بالعبوديّة ، فاختار أن يكون عبدا فهو - صلّى اللّه عليه وآله - العبد المحض ومن سواه سوقه . ولا شك انّ عليّا وأولاده - عليهم السّلام - تقاسيم نوره وتفاريع ظهوره بل نورهم واحد وكلّهم واحد . فصحّ من هذه الجهة انّ بهم تحقّقت العبودية التامّة والعبادة الكاملة ولولاهم ما تحقّقت البتة .
الوجه الرابع : قد عرفت انّهم وجه اللّه ودينه ، والدين هو الإسلام لقوله تعالى :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
« 1 » وهو الانقياد التّام والتوجّه إلى المبدأ العلّام ، ولا ريب انّ العبادة هي التوجّه الكلّي إلى المبدأ العليّ ، وذلك بأن يتوجّه العبد إلى الوجه الذي له إلى اللّه ، وهم الوجه الذي لكل أحد إلى اللّه ، لأنّهم باب اللّه ، وانّما يتوجّه إلى الشيء من طريقه وبابه ؛ فكما انّ المصلّي يجب عليه في الظاهر أن يولّي وجهه شطر المسجد الحرام الذي هو بيت اللّه ، وبابه في الظاهر ، كذلك يجب على العبد في جميع شؤونه من معرفته وعبادته أن يولّي وجه قلبه إلى الباب الباطني والوجه الحقيقي والكعبة النورية للأنام والمسجد العلوي الحرام ، وهم - عليهم السّلام - باب اللّه ووجهه ودينه والمسجد الحرام ، كما ورد في تفسير قوله عزّ من قائل :
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً
. انّ المساجد هم الأئمة « 2 » - عليهم السّلام - فولّوا وجوهكم شطر المسجد الحرام ؛ فكلّ عبادة لا يتوجّه فيها إليهم فليست بعبادة وإن كان العابد نبيّا أو ملكا من الملائكة ، كما انّ المنحرف عن القبلة ليست عبادته بعبادة . وتحت هذا أسرار عجيبة ليس لإفشائها رخصة ! ولعلّ هذا الوجه أظهر في ذلك الخبر حيث تفرع هذا الحكم على تحقيق كونهم وجه اللّه في عباده من الملائكة والجن والبشر . والحمد للّه على مزيد فضله .
هامش
( 1 ) . آل عمران : 19 .
( 2 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 425 وفيه « الأوصياء » ؛ بحار ، ج 23 ، ص 331 نقلا عن تفسير القمي .