الاستدلال : انّه لو كان للّه تعالى وجه كما يقولون انّه في الاستواء على صورة الشابّ الموفّق ، وفي التمامية والنورية كالقمر ليلة البدر ، لكان له أعضاء أخر وإن كان غير جسماني . ويلزم بحكم هذه الآية هلاك كل شيء سوى الوجه ومن جملة الأشياء سائر أعضائه فيلزم هلاكها ، وهذا مستحيل بالضرورة . ثمّ ردّ ذلك - عليه السّلام - بانّ اللّه أعظم من أن يوصف بالوجه لأنّه وجه جميع الوجوه ، لا انّ له وجها كما سيأتي في خبر مولانا علي - عليه السّلام - في أواخر هذا الكتاب من التمثيل بالنار ، وانّه وجه من جميع الجهات ؛ ثمّ فسّر الوجه المذكور في الآية بوجه من وجوهه سبحانه وهو الدين بقوله : « ولكن معناه كلّ شيء هالك إلّا دينه » وأشار إلى وجه ذلك بقوله : « والوجه الدين يؤتى منه » .
بيان ذلك : انّ « الوجه » في الوضع الإلهي هو ما يواجهك من الشيء فوجه الإنسان هو ما يواجهك به من التخطيطات والتشكيلات ، ووجه الثوب هو ما يواجهك به من ظاهره ، ووجه الكتاب هو ما يواجهك بحيث تتمكّن من قراءته ، ووجه المسألة هو ما يواجهك به من التحقيق في حلّها وهكذا في سائر الأشياء ، فوجه اللّه هو ما يتوجّه به إلى اللّه بحيث كأنّه هو في هذا التوجّه يواجه السالك ، وليس ذلك إلّا الأنبياء والأولياء من حيث انّه بالإقبال عليهم وانقيادهم واتّباعهم يتوجّه إلى اللّه . ولمّا كان طريقهم أنفسهم إلى اللّه هو دينهم لأنّه ليس الدين الّا سيرتهم الباطنة وسيرتهم النوري إلى اللّه تعالى ، وعندما وصل إلينا في عالم الطبيعة صار هذه العقائد والأعمال والحركات الظاهرة ، فمن ذلك يصحّ إطلاق « الوجه » على « الدّين » . وهذا معنى قوله - عليه السّلام - : « والوجه الدّين يؤتى منه » .
وجه آخر لكون الدين وجها وهو وجه دقيق شريف : اعلم ، انّ « الدين » عبارة عن الطريق الذي منه يسلك إلى اللّه ، والوجه الذي يتقرّب به إليه ، والباب الذي يؤتى منه إليه ، ومن المستبين انّ ذلك رجوع للشيء إلى ما بدأ منه ، ولا ريب انّ الرجوع إلى المبدأ من الطريق الذي جاء منه على اليقين والكمال ، ولو كان يمكن من سبيل آخر غيره فعلى الإمكان والاحتمال ، ولا مجال للاحتمال عند اليقين لدى
شرح توحيد الصدوق — صفحة 524
مساهمون: القاضي سعيد القمي
ص٥٢٤