تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح توحيد الصدوق — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
يشمّ إلّا رائحة المحبوب ، ولا يجد إلّا نفس الرحمن من قبل اليمن ، ولا يذوق إلّا برد يقينه ، ولا يبطش إلّا في سبيله ، ولا يتخيّل إلّا قربه والوصول إلى جواره ، ولا يذكر إلّا إيّاه ولا يفكّر إلّا في أسمائه وصفاته وآلائه ونعمائه ، ولا يتصوّر في نفسه إلّا جماله ، ولا يتقلّب قلبه الّا معه ، ولا يعقل إلّا من لدنه بل يتحيّر فيه . فحينئذ يصير العبد مشاهدا لنور واحد ، ويكون همّه واحدا ، وفكره واحدا ، وذكره لواحد ، ويرى ذلك النور في جميع المراتب من الصفات والأفعال ، ويراقبه في كلّ الأحوال ، فيصير سمعه الحق ، وبصره الحق ، فلا يرى شيئا غيره ، حتى انّه لا يخطر بباله الذكر والذاكر ، لكونه مستغرقا في المذكور ، فيصير الذكر والذاكر والمذكور واحدا ، فانّ اللّه وعد أن يذكر من ذكره ؛ وهذه منتهى المقامات الإلهية ومرتبة النفس « 1 » المطمئنة الملكوتية حيث يطلبها إبراهيم - عليه السّلام - بقوله :
لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
. وفي الحكمة القديمة الهندية : لا يصير العبد من الكاملين إلّا بأربعة خصال : الأولى ، تحصيل العقل الفارق بين الحقّ والباطل ؛ والثانية ، تطبيق العقائد على الشريعة الإلهية ؛ والثالثة ، صرف الهمّة إلى الجنبة العالية والمجاهدة التامة الشرعية والرياضة الكاملة العقلية ؛ والرابعة ، رعاية أربعة أشياء : الأول ، النظر إلى عباد اللّه بالرأفة والرحمة بأن يكونوا عنده سواء وذلك لغلبة التوحيد حيث يرى الكلّ مظاهر نور واحد ؛ والثاني ، ضبط الحواس وتعطيلها عن التفرّق في طلب المشتهيات ؛ والثالث ، مراقبة ذكر اللّه واستغراقه فيه ، وجعل الهمّ واحدا ورفض ما سواه ؛ والرابع ، محافظة تلك المراقبة ومداومة تلك الرابطة ، فبعد ذلك يصير العبد جالسا على سرير العبودية ، متمكّنا في مقعد الصدق وجوار الألوهيّة ، ولعلّه بتصفية هذه العشرة وتكميلها أعطاه اللّه الحنيفية التي هي عشرة : خمسة في البدن وخمسة في الرأس ؛ أمّا التي في الرأس : فأخذ الشارب ، وإعفاء اللّحى وطم الشّعر ، والسواك ، والخلال ؛ وأمّا التي في البدن فحلق الشعر من البدن ، والحنّاء ، وتقليم الأظفار ، والغسل من الجنابة ، والطهور بالماء . وإذا بصّر اللّه عين عبد يرى كلّا من تلك العشرة مناسبا لكلّ من
هامش
( 1 ) . النفس : - م .
شرح توحيد الصدوق — صفحة 436 | القاضي سعيد القمي