ثمّ اعلم انّ كلمة « كن » عبارة عن الأمر الإيجادي لإظهار ما هو المراد وإنشاء ما هو المقصود لرب العباد ؛ فالكلمة الوجودية هاهنا تامة والمنصوب بعدها وهو قوله : « ظلّين » حال مؤكّدة للمراد . وانّما قلنا : « تامّة » لأنّ الهيولى لا مادة لها حتّى يتحقق فيها الجعل المركّب أوّلا بالقياس إلى مادّتها .
ويحتمل ان يكون الاثنان « 1 » عبارة عن الماء العذب والأجاج اللذين هما أصل الخلق ، ويمكن أن يكون إشارة إلى مبادي الوجود فيحتمل أن يكون الاثنان هما العقل والجهل ، فأحدهما مجعول بالذات والاخر بالعرض . ويحتمل أن يكون جملة الأسماء الجمالية وجملة الأسماء الجلالية . وأمّا الذي سنذكره من قول المصنّف - رحمه اللّه - فلا أعلم له وجها ظاهرا اللّهمّ إلّا أن يصل إليه خبر مروي قال - رضي اللّه عنه - بهذه العبارة .
قال مصنّف هذا الكتاب : معنى قوله : « هو نور » أي منير وهاد ، ومعنى قوله :
« كونا ظلّين » الروح المقدس والملك المقرب ، والمراد به انّ اللّه كان ولا شيء معه ، فأراد أن يخلق أنبياءه وحججه وشهداءه ؛ فخلق قبلهم الروح المقدس وهو الذي يؤيد اللّه به أنبياءه وحججه وشهداءه - صلوات اللّه عليهم - وهو الذي يحرسهم به من كيد الشيطان ووسواسه ، ويسدّدهم ويوفّقهم ويمدّهم بالخواطر الصادقة ؛ ثمّ خلق الروح الأمين الذي نزل على أنبيائه بالوحي منه عزّ وجلّ ، وقال لهما : « كونا ظلّين ظليلين لأنبيائي ورسلي وحججي وشهدائي » فكانا كما قال اللّه عزّ وجلّ ، ظلّين ظليلين لأنبيائه ورسله وحججه وشهدائه يعينهم بهما وينصرهم على أيديهما ويحرسهم بهما . وعلى هذا المعنى قيل للسلطان العادل : انّه ظلّ اللّه في أرضه لعباده ، يأوي إليه المظلوم ، ويأمن به الخائف الوجل ، ويأمن به السّبل ، وينتصف به الضعيف من القوي . وهذا هو سلطان اللّه وحجّته التي لا تخلو الأرض منه إلى أن تقوم الساعة » - انتهى كلامه .
قوله : « فأراد أن يخلق أنبياءه » قريب ممّا قلنا من مظاهر العظمة والكبرياء ،
هامش
( 1 ) . الاثنان : الآيتان م .