معرفته - عليه السّلام - انّما هو بالفعل ، وكذا جعل الكيفية في الخلق بالفعل ، بخلاف معرفتهم فانّها بالإمكان ، هذا إذا أخذ قوله : « وهو الذي كيّف الكيف حتّى صار كيفا » دليلا برأسه على عدم توصيفه سبحانه بالكيف وقوله : « فعرفت الكيف بما كيّف لنا من الكيف » دليلا آخر على ذلك ، فيكون « الفاء » لترتّب الدليلين والإشارة إلى انّ الأصل هو الأوّل ويرجع الثاني إليه . ويحتمل قريبا أن يكون « الفاء » تعليليّة ويكون قوله : « فعرفت » دليلا على الصغرى ، أي تكييفه « 1 » الكيف ، والمعنى انّ الكيف مجعول اللّه سبحانه ومخلوق له ، لأنّ الكيف معروف لنا بنفسه لأجل ما جعل اللّه لنا من الكيف ، ونحن لا نعرف الشيء إلّا ما يكون سنخه فينا ، كما مرّ ، وكلّ ما هو معروف بنفسه معلول لما قلنا ، وقد مرّ في المجلّد الأوّل في خطبة مولانا الرّضا - عليه السّلام - وبالجملة انّ الغرض انّ اللّه سبحانه فاعل ذوات الكيفيّات وجاعل نفس الكيفيات ، وفاعل الشيء لا يوصف به فلا كيفيّة له ولا لوصفه ، بل لا يوصف وأعلى من أن يوصف ، إذ الوصف جهة الكيفيّة ، فالقول بعينية الصفات وزيادتها وسائر ما يكون من هذا القبيل قول بالكيفيّة ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا .
المطلب الثاني في انّه جلّ مجده لا يوصف ب « أين ؟ »
وصورة الدليل على مطابقة الخبر انّه سبحانه أيّن الأين ، أي جعله موجودا بالجعل البسيط ، وفاعل الشيء لا يوصف به ، ولأنّ الأين معروف لنا بما جعلنا اللّه ذا أين ، وما هو معروف بنفسه للخلق فهو معلول ، كلّ ذلك بالبيانات السابقة .
ويحتمل هنا أيضا كونه دليلا واحدا هكذا : انّ اللّه سبحانه لا يوصف بأين ، لأنّ الأين مخلوق له ، وهو تعالى لا يوصف بخلقه . وانّما كان الأين مخلوقا لأنّه معروف
هامش
( 1 ) . تكييفه : تكيّفه د بكيفية ن .