فهذان قسمان من الخمسة ؛ وأمّا الذي بالغير وبالقياس إليه : فإمّا أن يتساوى الخير والشرّ ، أو يغلب أحدهما على الآخر ، فهذه ثلاثة ، والمجموع خمسة .
إذا تمهّدت هذه المقدّمات الّتي لا تحوم حولها الشبهات ، فاعلم انّ الشر بالذات بمعانيه الثلاثة الراجعة إلى شيء واحد ممتنع تحقّقه ، بمعنى انّه يمتنع أن يوجد ماهيّة هي شرّ بتمامها ، لأنّ أحد وجوهها الوجود وهو « 1 » خير بالذات ؛ وأمّا الشر الغالب والمساوي فيمتنعان أيضا ، لأنّهما : إمّا أن يكونا من أقسام الشرّ بالذات ، وقد ظهر انّه ليس كذلك ، على انّه لو كانا من أقسام ما بالذات يلزم اجتماع الضدّين ، وقد تقرّر في مظانّه انّه من خواصّ الضدّين أن لا يجتمعا في موضوع واحد من جهة ولا من جهتين ، لأنّ ذلك انّما يصحّ فيما يجري فيه المقايسة ، والضدّان ليسا كذلك ، فلا يجتمعان أصلا ؛ وإمّا أن يكون الغالب والمساوي من أقسام الشرّ بالقياس إلى الغير وهذا صحيح لكنّه ممتنع التحقّق ، وذلك لأنّ الشر بالقياس إلى الغير إذا كان غالبا أو مساويا : فإمّا لكون ذلك الغير لازما للماهيّة الّتي يقال فيها شرّ بالنظر إلى هذا الغير فيجب أن يكون الشرّ لازما لها أيضا وإن كان بالواسطة وذلك ممتنع لاستلزامه اجتماع الضدّين ، فإذا كان الشرّ غير لازم يجب أن يكون ذلك الغير أيضا غير لازم ، فكلاهما غير لازمين ، فيكون حيث اتّفقت مصادمة الغير مع تلك الماهيّة ومزاحمته لها ، ومن البيّن انّ الاتّفاق ممّا قد يندر كل الندرة لأنّ ذلك انّما يكون في عالم الوجود لا كلّه ، بل في عالم التضاد ، وذلك بين أشخاص من أنواع يتحقّق بينهما المنافرة ، لا كل أشخاص ، بل أشخاص يجمع وجودها زمان ، ولا بين كلّ مجتمع في زمان ، بل مع اجتماعات ومصادمات « 2 » ولا في كل زمان التصادم ، بل ما لم يكن مانع من الفعل والانفعال ولا كلّ وقت يتحقّق ذلك ، بل حينما يكون وجود المتأثّر نافعا ، إلى غير ذلك من الشرائط ، وهذا انّما يتيسّر في أقلّ القلّة وأندر
هامش
( 1 ) . وهو : - م ن د ب ر .
( 2 ) . مصادمات : مصاكات ب م ر .