فهو عدم ملكة العقل ولهذا أسند الخلق إليه في حديث العقل « 1 » ؛ وكذا الفقر وأمثاله وبالجملة ، « الإمكان » الذي هو منبع الفقر ومعدن الفاقة وجوديّ في مدارك أرباب البرهان ؛ فما ظنّك بمصداقاته ! غاية ما في الباب أن يلزم من ذلك كون الشرّ معدوما لا عدما ، وبينهما بون بعيد ، ومع قطع النظر عن ذلك فانّما اقتفى المحقّق وأمثاله - شكر اللّه مساعيهم - إثر المشائين وهذا معلّمهم الأوّل صرّح في منطقه وغيره بأنّ التقابل بين الخير والشر من التضادّ ويلزم من ذلك وجوديّتهما ، خلافا لمن زعم عدمية الشر ، ولمن ظنّ عدميّة الخير ، وذلك أشنع ! والقول الفصل انّهما أمران وجوديّان ومفهومان خارجيّان ، كما لا يخفى على من تتبّع « 2 » مظانّهما ؛ وأيضا ، لا شكّ في تقابلهما وعدم اجتماعهما في موضوع من جهة واحدة ، ولا يمكن أن يكونا متناقضين ولا متضايفين ، وذلك ظاهر . ونقول : وكذا العدم والملكة ، إذ من خواصّهما أن تنقلب الملكة إلى العدم ، ولا يمكن أن يكون الخير من حيث هو خير ينقلب شرّا فبقي ، أن يكونا ضدّين .
وأيضا ، من خواصّ الضدّين أن يكونا تحت جنس ، والخير والشر كذلك ، لأنّهما تحت « الكيفيّة » لأنّ ماهيّة الخير هو المؤثر واللائق - سواء كان للشيء نفسه أو لغيره - ولا ريب انّهما يقعان في جواب « كيف هو ؟ » فهما من « الكيف » ويقع التشابه فيهما ، وكذا الشدة والضعف ، وذلك من خواصّ « الكيف » وأمّا ما حقّقوا من انّ الوجود خير والعدم شرّ فلا يضرّ بهذا المقام إذ لا ينعكس الموجب الكلي كنفسه ، مع انّ المقدمتين عندهم من المشهورات ولم أجد أحدا برهن عليه ، لكن عندي انّ المقدمة المشهورة من انّ « الوجود خير » برهانيّة ، ولا تنافي شهرتها برهانيّتها كما تقرّر في موضعه .
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 21 وفيه : « انّ اللّه عزّ وجلّ خلق العقل . . . ثمّ خلق الجهل من البحر الأجاج . . . فلما رأى الجهل . . . فقال الجهل : يا ربّ . . . فأعطني من الجند . . . »
( 2 ) . تتبّع : يتبع ب .