وأمّا « 1 » البرهان ، فاعلم إنّ الوجود من لوازم الماهيّات ، لكن يحتاج إلى واسطة في الثبوت وهو العلّة ، ولا ينافي ذلك لزومه ؛ فكل وجود من حيث هو وجود « 2 » مؤثّر ومتشوّق للماهية شوقا ذاتيّا وهو اللائق بها فيكون خيرا بالذات ، فيكون العدم شرّا .
إذا عرفت ذلك ، فاعلم انّ قسمة الماهيّات باعتبار الخيريّة والشريّة لا يزيد على خمس : لأنّ ذلك حصر عقلي ، وذلك لأنّه : إمّا أن يكون خيرا محضا لا شريّة فيه أصلا ، أو لا يكون كذلك ، والثّاني : إمّا أن يكون شرّا محضا لا خيريّة فيه أصلا ، أوليس كذلك « 3 » : فإمّا أن يتساوى الأمران ، أو لا يتساويا : فإمّا أن يغلب الخير أو الشرّ . وسرّ ذلك التقسيم انّ الخير والشرّ : إمّا أن يكونا بالذات ، أو بالغير ، ونعني بما بالذات ما يكون للشيء مع قطع النظر عن الغير ، وبما « 4 » بالغير ما بخلافه . ومن خواصّ الأوّل انّه يكون خيرا أو شرّا بتمامه ، والثاني انّه يكون كذلك من بعض الوجوه ، وذلك لأنّ الماهيّة إذا كانت شرّا بالذات مثلا : فإمّا بتمام ذاته كذلك ، أو ببعض ذاته ، أي أجزاء ذاته أو بلوازم ذاته ، والأخيران « 5 » يرجعان إلى الأوّل ؛ أمّا الثّاني فلأنّ جزء الذات موجود بوجود الذات ، فلو كان بعض ذاته خيرا وبعضه شرّا يلزم أن يكون المتقابلان موجودين بوجود واحد وذلك ممتنع ؛ وأمّا الثالث فلأنّ بين اللازم وملزومه يجب أن يكون مناسبة لست أعني أيّة مناسبة كانت ، بل بحيث يكون اللازم حكاية الملزوم وصورته الظاهرة منه ومرتبة نزوله السفلي ، فلو كانت الشريّة لازمة لحقيقة من الحقائق وجب أن يكون تلك الحقيقة شرّا ، فبثت من ذلك رجوع الثّلاثة إلى حكم واحد وهو الشرّ بتمامه ، وكذا الكلام في الخير ،
هامش
( 1 ) . وأمّا : أمّا ر .
( 2 ) . وجود : - د م ن .
( 3 ) . أو ليس كذلك : - د م ن .
( 4 ) . بما : - د م .
( 5 ) . والأخيران : الأخيران د م .