من نفسه ولا من غيره ، فإن أعطى فبفضله - وله الحمد - وإن منع فبعدله ، ولم يجب عليه ذلك فلم يظلم ربّك أحدا ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا .
فصل [ فيما أعطاه اللّه بمحض الفضل ]
ثمّ لنتكلّم فيما أعطى بمحض الفضل فنقول : اعلم انّ الحقائق الّتي وجدت عن المبدأ الأول كلّها مترتّبة بالنظر إلى أنفسها ترتّب الأصول والفروع ومرتّبة ترتيب السببي والمسبّبي ، فلا يتقدّم متقدّم ولا يتأخّر متأخّر الّا بقضاء حتم طلبا من اللّه ذلك القضاء من اقتضاء أنفسهم ، والفيّاض الحقّ يعطي كلّ شيء ما يطلبه ويقتضيه فلا يمكن أن يسبق متأخّر متقدّما في ذلك الطلب ، لأنّه لولا المتقدّم لم يكن هذا الطلب من المتأخّر ولا الاقتضاء ، فيمتنع أن يتحقّق ظلم هاهنا . وأيضا شأن الفاعل إعطاء ذات الشيء بالجعل البسيط ، كمال قال سبحانه :
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ
لكن يتبعها الوجود ويلزمها كما قال بعد ذلك
خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
على صيغة الماضي . ولا معنى للزيادة والنقيصة في أصل الماهيّة الواحدة والّا لزم الانقلاب ولم تكن تلك الماهيّة تلك الماهيّة ، وكذا لا معنى لزيادة الوجود ونقصانه بالنسبة إلى تلك الماهيّة الواحدة ، لأنّ زيادته لا تجعل الماهيّة أعلى مرتبة ممّا اقتضته ، لأنّ ذلك انقلاب ، وكذا النقصان في الوجود لأنّ الناقص منه إن خرجت الماهيّة بسببه إلى الوجود فلا نقصان ، وإن لم تخرج فلا إيجاد ، بل التفاوت في الوجودات بحسب اختلاف الماهيّات لا بالقياس إلى ماهيّة واحدة ، كما انّ تكثّره انّما هو بتكثّر الموضوعات .
وأمّا توابع الوجود فهي مجعولات بالعرض ، بمعنى أنّ هاهنا جعلا واحدا هو بالنظر إلى الماهيّة بالذات ، وإلى توابعها بالعرض ، فيوجد كلّ تابع حيثما يقتضيه مرتبته والّا لزم تخلّف اللازم عن الملزوم ، هذا في النّعم الابتدائية .
وأمّا في المثوبات والعقوبات الأخروية فهي نتائج الأعمال وصور الصفات والأحوال ، بل هي نفس الأعمال والصفات المحمودة والمذمومة ، وانّما اكتسبت لباسا يناسب النشأة الآخرة ، كما قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - : « انّما هي