الرابع ) الاجزاء كلها ( بالقوة وغير متناهية وهو مذهب الحكماء ) واعلم أن المذهبين الأولين يقتضيان خروج جميع الانقسامات الممكنة إلى الفعل اما متناهية أو غير متناهية والمذهبين الأخيرين يقتضيان ان لا يكون هناك انقسام بالفعل بل يكون الجسم البسيط متصلا في نفسه لا مفصل فيه أصلا الا أنه يقبل انقساما اما متناهيا أي واصلا إلى حد يقف عنده ولا يمكن تجاوزه إياه فيكون الانقسام منتهيا إلى أجزاء لا تتجزى وقد تركب الجسم منها بالقوة كما ذهب إليه الشهرستاني ويقرب منه ما نقل عن أفلاطون من أن الجسم بالتجزئة ينتهي إلى أن ينمحق فيعود هيولى واما غير متناه لا بمعنى ان تلك الانقسامات يمكن أن تخرج من القوة إلى الفعل بل بمعنى ان الجسم من شأنه ان يقبل الانقسام دائما ولا ينتهي انقسامه إلى جزء لا يمكن فرض انقسامه وهذا مثل ما ذهب إليه المتكلمون من أنه تعالى قادر على ما لا يتناهى مع أنهم يحيلون اتصاف أمور غير متناهية بالوجود سواء كانت مجتمعة أو متعاقبة فليس مرادهم الا ان قدرته تعالى لا تنتهي إلى حد لا يمكن مجاوزتها إياه فقس حال القابلية على حال الفاعلية وإذا تمهد هذا فنقول هاهنا مذهب خامس وهو مذهب ديمقراطيس فإنه ذهب إلى أن الجسم البسيط مركب من أجسام صغار لا تنقسم بالفعل بل بالفرض فلا تكون الاحتمالات المذكورة منحصرة في المذاهب الأربعة وذلك لأنه إذا لم تكن جميع الانقسامات حاصلة بالفعل جاز ان لا يكون شيء منها بالفعل وان يكون بعضها بالفعل دون بعض كما هو
شرح
( قوله إلى أن ينمحق ) أي ينمحى الاتصال والامتداد الّذي هو حقيقة الجسم عنده فيعود أجزاء الامتداد لها قابلة للاتصال كالماء إذا جزء ثم يعاد في اناء واحد
هامش
[ قوله ينتهي إلى أن ينمحق فيعود هيولى ] واعلم انك قد نبهت في أول الموقف على مذهبه وانه لا يقول بالهيولى المصطلحة وحينئذ فلا معنى لقوله بانمحاق الجسم وعوده هيولى الا أن يريد بالهيولى ما هو في حكم الجوهر الفرد أو نفسه كذا قيل ولك أن تقول مراده انه يعود معدوما كما أن الهيولى عنده كذلك ويشعر به لفظ الانمحاق كما عرفت معناه ( قوله فيعود هيولى ) المراد ما هي المصطلح عندهم ( قوله فقس حال القابلية على حال الفاعلية ) أي فليعتبرها في قابلية الجسم إلى الاجزاء بحال فاعلية الباري للأشياء فان الجسم من شأنه وقوته أن ينقسم دائما ولا ينتهى انقسامه إلى حد لا يمكن انقسامه كما أن مقدورات اللّه تعالى غير متناهية بمعنى ان قدرته لا تنتهى إلى حد لا يكون قادرا على أزيد منه ( قوله وذلك لأنه إذا لم تكن جميع الانقسامات حاصلة الخ ) لزم هذا من ترك سور الكلى فيحتمل ما ذكره بخلاف المذهبين الآخرين