تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواقف ( شرح الجرجاني ) ( مع حاشيتي السيالكوتي والحلبي ) — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
كامنة فبرزت بملاقاة النار وذهب جماعة إلى أن الاجزاء النارية لم تكن كامنة بل نفذت في الماء من خارج فهؤلاء أصحاب الغشو والنفوذ والأولون أصحاب الكمون والبروذ وكلاهما ينكران الاستحالة والكون والقول بالمزاج مبني على القول بهما أما على الأول فلان حصول المزاج باستحالة الأركان كما عرفت وأما على الثاني فلان النار لا تهبط عن الأثير بل تتكون هاهنا *

[ المقصد الثاني في أقسام المزاج ]

قد علمت أن الكيفيات التي يمكن بينها الفعل والانفعال أربع الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ) وهذه الأربع تسمى بالكيفيات الأول لان كل واحد من البسائط العنصرية لا يخلو عن اثنين منها كما مر وهي متضادة فيقع بين كل متضادتين منها كسر وانكسار عند الامتزاج ( فالمقادير منها ) أي من الكيفيات الأربع ( الحاصلة في المركب ان كانت متساوية ) بحسب احجام محالها ( متقاومة ) في أنفسها بحسب الشدة والضعف ( حتى يحصل منها كيفية عديمة الميل إلى الطرفين ) المتضادين ( فتكون ) حينئذ ( على حاق الوسط بينهما فهو المعتدل الحقيقي ) فقد اعتبر فيه تساوي البسائط كما وكيفا وذلك لان امتناع وجوده كما ذهبوا إليه مبنى على تساوي ميول بسائطه ولا بد فيه من تساوى كمياتها لان الغالب في الكل الكم يشبه ان يكون غالبا في الميل وليس هذا وحده كافيا في ذلك التساوي لان الميول قد تختلف باختلاف الكيفيات مع الاتحاد في الحجم كما في الماء المغلى بالنار والمبرد بالثلج فان ميل الثاني بسبب الكثافة والثقل اللازمين من التبريد أشد وأقوي من ميل الأول وربما يكتفي فيه باعتبار تساوي الكيفيات وحدها في قوتها وضعفها لان ذلك هو الموجب لتوسط الكيفية الحادثة من تفاعلها في حاق الوسط بينها ( قالوا وانه لا يوجد )
شرح
( قوله اما على الأول ) أي الاستحالة فقد ظهر لنا مما ذكر في هذا المقصد أن في المزاج ثلاث مذاهب وان في كل مذهب قولين ( قوله تساوى البسائط كما وكيفا ) فان قيل لا شك أن حرارة النار في الشدة تكون أضعاف برودة الماء في الشدة كما تشهد به المشاهدة قلنا لو سلم ذلك فرطوبة الماء في الشدة تكون أضعاف يبوسة النار في الشدة حتى يطفى الماء القليل أضعافه من النار كما تشهد به التجربة فعلى هذا يجب أن يعتبر التساوي بين الماء والنار كما وكيفما فان قيل لا بد أن يعتبر التساوي في الخفة والثقل هاهنا أيضا وهو غير تابع لتساوى الكيفيات الأول ولا لتساوى الحجم أيضا قلنا الّذي يلوح من كلامهم هو ان الخفة الطبيعية تابعة للحرارة الطبيعية والثقلة الطبيعية تابعة للبرودة الطبيعية فتأمل ( قوله وربما يكتفى فيه تساوى الكيفيات ) فان قيل قد مر آنفا ان حرارة الماء المغلى بالنار تكون في الشدة مساوية لبرودة الماء المبرد بالثلج مع أن ميل الثاني أشد وأقوى من ميل الأول قلنا المعتبر هاهنا هو التساوي في الكيفيات الطبيعية كما أشرنا إليه وحرارة الماء ليست بطبيعية فلا عبرة بها هاهنا