خَرَجَ مِن مَنزِلِه لَم يَضَع رِجلَهُ عَلى رَطبٍ ولا يابِسٍ مِنَ الأَرضِ إلّاسَبَّحَت لَهُ إلَى الأَرَضينَ السَّبعِ .
ولَقَد كانَ يَعولُ مِئَةَ أهلِ بَيتٍ مِن فُقَراءِ المَدينَةِ .
وكانَ يُعجِبُهُ أن يَحضُرَ طَعامَهُ اليَتامى وَالأَضِرّاءُ « 1 » وَالزَّمنى « 2 » وَالمساكينُ الَّذين لاحيلَةَ لَهُم .
وكانَ يُناوِلُهُم بِيَدِهِ ، ومَن كانَ لَهُ مِنهُم عِيالٌ حَمَلَهُ إلى عِيالِه مِن طَعامِه .
وكانَ لايَأكُلُ طَعاماً حَتّى يَبدَأَ فَيَتَصَدَّقَ بِمِثلِه .
ولَقَد كانَ يَسقُطُ مِنهُ كُلَّ سَنَةٍ سَبعَ ثَفِناتٍ « 3 » مِن مَواضِعِ سُجودِهِ لِكَثرَةِ صَلاتِه ، وكانَ يَجمَعُها ، فَلَمّا ماتَ دُفِنَت مَعَهُ .
ولَقَد بَكى عَلى أبيه الحُسَينِ عليه السلام عِشرينَ سَنَةً ، و ما وُضِعَ بَينَ يَدِهِ طَعامٌ إلّابَكى ، حَتّى قالَ لَهُ مَولىً : يَابنَ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله ، أما آنَ لِحُزنِكَ أن يَنقَضِيَ ؟ فَقالَ لَهُ : وَيحَكَ ! إنَّ يَعقوبَ النَّبِيَّ كانَ لَهُ اثنا عَشَرَ ابناً ، فَغَيَّبَ اللَّهُ عَنهُ واحِداً مِنهُم فَابيَضَّت عَيناهُ مِن كَثرَةِ بُكائِه عَلَيه ، وشابَ رأسُهُ مِن الحُزنِ ، واحدَودَبَ ظَهرُهُ مِن الغَمِّ ، وكانَ ابنُهُ حَيّاً فِي الدُّنيا ، وأنا نَظَرتُ إلى أبي وأخي وعَمّي وسَبعَةَ عَشَرَ مِن أهلِ بَيتي مَقتولينَ حَولي ، فَكَيفَ يَنقَضي حُزني ؟ ! « 4 »
بابُ أربَعَةٍ وعِشرينَ
3954 . آيَةُ المُدايَنَةِ تَدُلُّ عَلى أربَعَةٍ وعِشرينَ حُكماً ، قالَ اللَّهُ تَعالى : « يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ . . . » إلى آخِرِ الآيَةِ « 5 » .
اعلَم أنَّ الآيَةَ الشَّريفَةَ أطوَلُ آيَةٍ في أطوَلِ سورَةٍ مِن القُرآنِ ، وتَشتَمِلُ عَلى أحكامٍ كَثيرَةٍ ؛ وَضعِيَّةٍ وتَكليفِيَّةٍ ، وُجوبِيَّةٍ وتَحريمِيَّةٍ ، مَولَوِيَّةٍ وإرشادِيَّةٍ ، لَعَلَّها تَبلُغُ أربَعَةً وعِشرينَ حُكماً ، كَما أنَّ هذِهِ السّورَةَ لَعَلَّها تَشتَمِلُ عَلى خَمسِمِئَةِ حُكمٍ ، فَها إلَيكَ الأَحكامُ الَّتي نَستَفيدُها مِنَ الآيَةِ الكَريمَةِ :
هامش
( 1 ) . الأضرّاء : جمع الضرير .
( 2 ) . الزَّمانة : العاهة ، زمنَ فهو زَمِنٌ ، الجمع زَمنى ( لسان العرب : 13 / 199 ) .
( 3 ) . الثفنة من البعير : ما وقع على الأرض .
( 4 ) . الخصال ، ص 517 ، ح 4 .
( 5 ) . سورة البقرة الآية : 282 .