الوجه ( الثاني )
وهو الدال على غلط الحس في أحكام الجزئيات بسبب التباس بعضها ببعض ( ان الحس لا يميز بين الأمثال فربما جزم بالاستمرار ) أي بكون شيء موجودا مستمرا ( عند تواردها ) أي توارد الأمثال ( كما تقوله أهل السنة في الألوان ) من أنها لا تبقى آنين بل يحدثها اللّه تعالى حالا فحالا مع أن البصر يحكم بوجود لون واحد مستمر ( و ) كما يقوله ( النظام في الأجسام ) من أنها أيضا غير باقية بل متجددة آنا فآنا مع أن الحس يحكم بخلافه وكذلك الحال في البيضات المتماثلة إذا وردت على الحس متعاقبة وفي ماء الفوارة ( فقام الاحتمال ) أي احتمال غلط الحس ( في الكل ) أي في جميع أحكام الجزئيات هذا والسبب في غلطه عند توارد الأمثال ان الحس وان تعلق بكل واحد منها من حيث خصوصيته لكن الخيال لم يستثبت ما به يمتاز كل منها عن غيره فيتخيل الرائي ان هناك أمرا واحدا مستمرا
الوجه ( الثالث )
وهو الدال على غلط الحس في تلك الأحكام بسبب عروض عارض من نوم أو مرض ( النائم يرى في نومه ما يجزم به ) في النوم ( جزمه بما يراه في يقظته ) ثم يتبين له في اليقظة ان ذلك الجزم كان باطلا ( وكذا المبرسم ) أي صاحب البرسام قد يتصور صورا لا وجود لها في الخارج ويشاهدها ويجزم بوجودها ويصيح خوفا منها ( فجاز في غيرهما مثله ) أي مثل ما ذكر فيهما من الغلط إذ يجوز أن يكون للانسان حالة ثالثة يظهر له فيها بطلان ما رآه في اليقظة وان يكون له أمر عارض لأجله يرى ما ليس بموجود في الخارج موجودا فيه والسبب في غلطهما ان النفس بسبب النوم للاستراحة أو للاشتغال بدفع المرض تغفل عن ضبط القوة المتخيلة فتتسلط على القوى فتركب صورا
شرح
( قوله أي صاحب البرسام ) وهو ورم حجب محل الدماغ اما كلها أو بعضها ( قوله مثله ) أشار بذلك إلى أن ما يراه النائم والمبرسم ليس صورة الغلط لعدم ادراك الحاسة فيه بل لمشاركته في الجزم بحال اليقظة والصحة يورث شبهة الغلط فيها لكن لا يخفى أن هذا الوجه انما يدل على جواز وقوع الغلط في حال اليقظة والصحة لا على وقوعه والكلام فيه ( قوله للاستراحة ) أي بدفع التعب الّذي حصل للبدن في اليقظة بواسطة الحركات البدنية والنفسانية والأمور العارضة له من خارج ( قوله بدفع المرض ) ظاهر هذا الوجه يقتضي مشاهدة الصور الخيالية التي لا وجود لها في كل مرض فالوجه عجز النفس عن ضبط المخيلة لكون الورم في محلها أو فيما يجاورها
هامش
( قوله يرى في نومه ) فان قلت لا رؤية هاهنا حقيقة حتى يترتب عليها غلط الحس قلت ليس مراد