تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح المقاصد — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني « 1 » بكفر من يكفرنا ، ومن لا ، فلا . واختيار الإمام الرازي أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة . وتمسك بأنه لو توقف صحة الإسلام على اعتقاد الحق في تلك الأصول لكان النبي ( صلى اللّه عليه وسلّم ) ومن بعده يطالبون بها من آمن ، ويفتشون عن عقائدهم فيها . وينبهونهم على ما هو الحق منها . واللازم منتف قطعا . ثم فرق بينها وبين ما هو من أصول الإسلام بالاتفاق بأن بعضها مما اشتهر كونه من الدين ، واشتمل عليه الكتاب بحيث لا يحتاج إلى البيان . كحشر الأجساد ، وبعضها مما ظهرت أدلتها على ما يليق بأصحاب الجمل بحيث يتسارع إليها الإفهام ، كحدوث العالم . وإنما طال الكلام فيها لإزالة شكوك الفقهاء المبطلون ، بخلاف الأصول الخلافية ، فإن الحق فيها خفي يفتقر إلى زيادة نظر وتأمل ، والكتاب والسنة قد يشتملان على ما يتخيل معارضا لحجة أهل الحق . فلو كانت مخالفة الحق فيها كفرا ، لاحتيج إلى البيان البتة . ثم أجاب عن أدلة تكفير الفرق بعضهم بعضا بأجوبة مبني بعضها على أن خرق الإجماع ليس بكفر ، وأن الإجماع لا ينعقد بدون اتفاق المشبهة والمجسمة والروافض وأمثالهم . وبعضها على أن من لزمه الكفر ، ولم يقل به ، فليس بكافر . وبعضها على أن صاحب التأويل - وإن كان ظاهر البطلان - ليس بكافر . ووافقه بعض المتأخرين من المعتزلة حذرا عن شفاعة تكفير من تكاد تشهد الأرض والسماء بإسلامهم ، وعن لزوم تكفير كثير من كبارهم ، لكن كلامهم يموج بتكفير عظماء أهل الإسلام ، واللّه عزيز ذو انتقام . ولقائل أن يجيب عن تمسك الإمام بمنع الملازمة بأن التصديق بجميع ما جاء به النبي ( صلى اللّه عليه وسلّم ) إجمالا كاف في صحة الإيمان ، وإنما يحتاج إلى بيان الحق في التفاصيل عند ملاحظتها ، وإن كانت مما لا خلاف في تكفير المخالف فيها ، كحدوث العالم ، فكم من مؤمن لم يعرف معنى الحادث والقديم « 2 » أصلا ، ولم يخطر بباله حديث حشر الأجساد قطعا . لكن إذا لاحظ ذلك ، فلو لم يصدق كان كافرا .
هامش
( 1 ) سبق الترجمة عنه ، والحديث عن أعماله في كلمة وافية في الجزء الأول . ( 2 ) القديم : يطلق على الموجود الذي لا يكون وجوده من غيره ، وهو القديم بالذات ، ويطلق القديم على الموجود الذي ليس وجوده مسبوقا بالعدم ، وهو القديم بالزمان . والقديم بالذات يقابله المحدث بالذات ، وهو الذي يكون وجوده من غيره كما أن القديم بالزمان يقابله المحدث بالزمان ، وهو الذي سبق عدمه وجوده سبقا زمانيا ، وكل قديم بالذات قديم بالزمان ، وليس كل قديم بالزمان قديما -
شرح المقاصد — صفحة 229 | التفتازاني