وشأن القلب ليس كشأن الجسم ، بل هو دائم القلق والاضطراب لا يستقر على حال الا ويتطلع إلى أحسن منها ، فهو يطلب ما يسكن إليه وينعم بقربه ، كمثل العاشق الولهان ، ولكنه لا يسكن إلى شيء أبدا ، بل يحب هذا الآن ثم ينتقل منه إلى غيره مما هو أطيب وألذ ، وهكذا يظل متنقلا على مدى الأزمان ، بل لو ظفر بكل مليحة ورئاسة لم يقر قراره وظل في اضطراب وجولان ، بل لو حيزت له الدنيا كلها بما فيها من متع ورغائب لما قرت منه العينان ، فلا قرار للقلب ولا سكن إلا بالوصول إلى محبوبه الأول وهو اللّه جل شأنه ، فمعرفته والقرب منه هو غذاء القلوب وقوتها وسكنها وراحتها وغاية مطلوبها الذي لا تطمح إلى شيء وراءه . فمهما جلت بفؤادك بين مغاني الهوى وارتدت له آنق المرعى ، وجلبت له كل ما على الأرض من حسن فهو شاعر بالفقر والحرمان ، لأنه مضطر إلى محبوبه الأعلى جل شأنه ، فلا يتعوض عنه بأي حب كان .
فصلاحه وفلاحه ونعيمه وأنسه وراحته وسكنه في توحيد حبه للرحمن ، فإذا ما أقفر من هذا الحب عاودته الحيرة والاضطراب ورجع إلى حاله من الاضطراب والجولان .
فصل في زهد أهل العلم والإيمان وإيثارهم الذهب الباقي على الخزف الفاني
لكن ذا الإيمان يعلم أن ه * ذا كالظلال وكل هذا فان
كخيال طيف ما استتم زيارة * الا وصبح رحيله بأذان
وسحابة طلعت بيوم صائف * فالظل منسوخ بقرب زمان
وكزهرة وافى الربيع بحسنها * أو لامعا فكلاهما أخوان
أو كالسراب يلوح للظمآن في * وسط الهجير بمستوى القيعان
أو كالأماني طاب منها ذكرها * بالقول واستحضارها بجنان
وهي الغرور رؤوس أموال المفا * ليس الألى اتجروا بلا أثمان