أو كالطعام يلذ عند مساغه * لكن عقباه كما تجدان
هذا هو المثل الذي ضرب الرسو * ل لها وذا في غاية التبيان
الشرح : أما أهل العلم والإيمان فهم يعرفون هذه الدنيا على حقيقتها فلا يغرهم منها بهرج ولا يخدعهم منها رواء ، وهم يضربون لها الأمثال التي تكشف عن جوهرها وتدل على قصر عمرها ، فهم يشبهونها بتلك الأفياء التي تكون ممتدة ثم تتقلص رويدا رويدا حتى تذهب وتزول ، أو بخيال طيف ألم برأس نائم ، فما استتم زورته حتى آذن بالرحيل .
أو بسحابة طلعت في يوم قيظ ، فما أن انتشر ظلها حتى طلعت عليها الشمس فمحت هذا الظل القليل ، أو بزهرة في الروض أقبل الربيع بنضرتها وازدهارها ثم آل أمرها إلى تصوح وذبول .
أو ببرق لمع من خلال السحاب فأضاء الأفق ثم انطفأ فانتشر بعده ظلام ثقيل أو بسراب يتراءى في القيعان فيهرع إليه الظمآن يحسبه ماء ، فإذا جاءه لم يرو منه الغليل ، أو بالأماني الحلوة ينعم بذكرها اللسان ويستحضر صورتها الجنان ، ثم لا يرى لها في الواقع تأويل ، والدنيا هي متاع الغرور كما سماها اللّه عز وجل ، وهي رأس مال العجزة المفاليس الذين أقفرت نفوسهم من كل معنى سبيل ، وهي أشبه بالطعام يحلو لآكله عند مضغه ويجد له حلاوة على لسانه ، ثم يكون نهايته عند غائط أو بول .
هذا هو المثل الذي ضربه لها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهل هناك بعد القرآن أوضح وأبين من أمثال الرسول ؟
وإذا أردت ترى حقيقتها فخذ * منه مثالا واحدا ذا شان
أدخل بجهدك إصبعا في أليم وان * ظر ما تعلقه إذا بعيان
هذا هو الدنيا كذا قال الرسو * ل ممثلا والحق ذو تبيان
وكذاك مثلها بظل الدوح في * وقت الحرور لقائل الركبان