تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
فالناقدون يرون ما ذا تحته * والناس أكثرهم من العميان
الشرح : بعد أن رغب المؤلف في عرائس الجنان اللاتي كمل حسنهن وخلائقهن أخذ يحذر من الانخداع بنساء الدنيا اللاتي تجردن من كل مزية ، فلا حسن في الخلقة ولا إحسان في العمل ، فهو يوصي صاحب الطرف الطموح المعذب الذي ينطلق وراء كل غانية هيفاء أن لا تخدعه صورة ظاهرة من تختها الداء العياء فيرجع بكل خسارة وشقاء . وكيف ينخدع بامرأة قبحت منها الخلائق فلا أمانة ولا وفاء ، ولا صبر ولا رضى ، ولا طاعة ولا تواضع ، وقبحت منها الفعال ، بل هي شيطانة في صورة انسان ، تخضع وتنقاد لمن يهواها من الأنذال والأرذال ، لأنهم هم أشبه بها وأقرب إلى طباعها ، دون أهل الخير والفضل فإنها لا تريدهم ولا ترغب فيهم لعدم المشاكلة بينهم وبينها ، وهي خالية من كل ما يدفعها إلى الخير ويحجزها عن الشر ، فلا دين ولا عقل ، ولا خلق ولا خوف من اللّه عز وجل . وجمالها ليس بالخلقة والطبيعة ، ولكنه جمال مزور مصنوع من الأصباغ والألوان ، حتى أنها إذا تركت التزين والتجمل زهدت فيها العيون وخلت من كل ما يثير الرغبة فيها ، وهي مطبوعة على الغدر ونكران العشير وعدم الحفاظ عليه والوفاء بحقه ، حتى أنه لو أحسن إليها الدهر كله ثم رأت منه شيئا لا يعجبها ولو مرة واحدة قالت له : ما رأيت منك خيرا قط . وهي مخلوقة من ضلع أعوج ، فإن أراد إصلاحها وتقويمها امتنعت عليه وأبت ألا أن تظل على عوجها ونقصها . وهي لا تعمل فكرها إلا في المكر السيئ والكيد الدنيء الذي يعيا الرجل به ، فهي كما قال تعالى :
إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
[ يوسف : 28 ] فجمالها قشرة رقيقة تحتها من العيوب والقبائح ما شاء اللّه ، فهو يشبه نقدا رديئا قدموه بالفضة أو الذهب ليظن أنه منهما ، ولكن النقاد الصيارفة لا يروج عليهم هذا البهرج ، وإن كان ينطلي على كثير من الناس .
أما جميلات الوجوه فخائنا * ت بعولهن وهن للأخدان
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 389 | ابن قيم الجوزية / محمد خليل هراس