الأيام لا ينقضي ما بقلبه من وجد وهيام ، ولكن الأكياس الفطناء من الأنام لم يتعلقوا من هذه الدنيا بحسن زائف ولا بجمال زائل ، بل جردوا من ذلك قلوبهم ورنوا بأبصار بصائرهم إلى الغايات البعيدة ، فحثوا إليها ركائب العزائم وامتطوا صهوات الهمم وجدّوا في بلوغ هاتيك المنازل التي هي المنازل الأولى والأوطان الأصلية التي كانوا يسكنونها وهم في صلب أبيهم آدم ، قبل أن يرتكب الخطيئة ويهبط إلى الأرض . وقد رفعت لهم في سيرهم أعلام الوصال فقربت منهم بعيد الآمال ، وشحذت منهم الهمم ، فلم يشعروا في سيرهم بسأم ولا كلال على حين باء الكسلان بالخيبة والحرمان .
ورأوا على بعد خياما مشرفا * ت مشرقات النور والبرهان
فتيمموا تلك الخيام فآنسوا * فيهن أقمارا بلا نقصان
من قاصرات الطرف لا تبغى سوى * محبوبها من سائر الشبان
قصرت عليه طرفها من حسنه * والطرف في ذا الوجه للنسوان
أو أنها قصرت عليه طرفه * من حسنها فالطرف للذكران
والأول المعهود من وضع الخطا * ب فلا تحد عن ظاهر القرآن
ولربما دلت إشارته على الث * اني فتلك إشارة لمعان
هذا وليس القاصرات كمن غدت * مقصورة فهما إذا صنفان
الشرح : وتراءت لهؤلاء الجادين المثمرين على بعد خياما عالية قد أشرق منها النور وسطع الضياء ، فقصدوا نحو تلك الخيام فأبصروا فيهن نساء كأنهن البدور ليلة التمام من كل قاصرة طرفها على محبوبها فلا تتحول عنه إلى غيره من سائر الأنام قال تعالى :
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ
[ الرحمن : 56 ] وقال :
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
[ الصافات : 48 ، 49 ] وقد اتفق المفسرون كلهم على أن معنى قاصرات الطرف أنهن حبسن أطرافهن على أزواجهن فلا يطمحن إلى غيرهم