تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
بل كل حاجات لهم فاليه لا * لسواه من ملك ولا انسان
الشرح : ومما يدل على فساد قياسهم أن هناك فرقا بين المقيس والمقيس عليه من كل وجه ، فكل ما يدعوهم لالتماس الزلفى إلى الملوك والأمراء باتخاذ الوسائط والشفعاء ليس موجودا في حق اللّه عز وجل . وكل ما يحتاج الملوك من أجله إلى اتخاذ الأعوان والظهراء فإن اللّه غني عنه ، فالملوك عاجزون عن تدبير شؤون مملكتهم بأنفسهم ، فلا بد لهم ممن يعينهم على ذلك ويرفع إليهم حوائج الناس الذين لا يستطيعون الوقوف على حاجاتهم بأنفسهم ، وليس لهم قدرة كذلك على توفير ما يحتاجون إليه في كل وقت إلا بمعونة هؤلاء . فهم يقبلون شفاعتهم ووساطتهم بسبب حاجتهم إليهم ، وهم كذلك يخشون منازعتهم إياهم على الملك فيقبلون شفاعتهم خوفا منهم . وليس للملوك إرادة لقضاء حوائج كل الناس ، فهم يحتاجون إلى من يرغبهم في ذلك ويغير ارادتهم ، ويحولهم من الغضب إلى الرضى ، وكذلك هم لا يجدون عندهم الرحمة التي يمكن أن يبسطوها على الناس ، فيحتاجون إلى من يعطفهم ويرقق قلوبهم ويملأها بالرحمة والحنان والرغبة في الإحسان . فمن أجل ذلك كله احتاجوا إلى تلك الوسائط حاجة لا ينفكون عنها في وقت من الأوقات . أما اللّه سبحانه فهو بعكس هؤلاء الملوك العاجزين الجاهلين ، فهو عالم الغيب كله ، يعلم أحوال جميع خلقه ، لا يحتاجون إلى من يرفع إليه حوائجهم ، وهو سبحانه ذو القدرة التامة على فعل كل ما يشاء ، لا يحتاج إلى معونة أحد في تنفيذ ما يريد . وهو ذو فضل وإحسان ، ورحمته وسعت كل شيء من خلقه ، وهو سبحانه مريد لنفعهم والإحسان إليهم ، بل هو أرحم بعباده من الأم بولدها . وهو لا يقبل شفاعة الشفعاء خوفا منهم ولا رغبة فيما عندهم ، فليس له إلى أحد حاجة ، ولن يبلغ أحد ضره أو نفعه ، تعالى اللّه عن ذلك كله جل شأنه ، بل
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 312 | ابن قيم الجوزية / محمد خليل هراس