تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
كل يناقض بعضه بعضا وما * في الحق معقولان مختلفان وقضوا بها كذبا علي وجرأة * منهم وما التفتوا إلى القرآن
الشرح : يشكو المؤلف إلى ربه ما وصلت إليه الحال في عصره من فوضى اعتقادية لا ضابط لها ، ففي محيط الكلام والفلسفة والتصوف وجدت مذاهب وآراء تثير العجب وتحمل على التساؤل : هل يمكن أن يكون أصحاب هذه الأقوال مسلمين ؟ فهي مذاهب وآراء دخيلة كلها على الإسلام ، ليست مستمدة من مصادره الأولى ، وإنما وردت عليه من ثقافات أجنبية وأولع بها القوم وافتتنوا بها افتتان بني إسرائيل بعجل السامري ، وهجروا من أجلها كتاب ربهم وسنة نبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم ، وخالفوا بها حكم الفطرة الهادي وآثار السلف الصالح ، ولم يكترثوا لهذا الهجران ولقد أمعنوا في الضلال والغي حين صرحوا بتقديمها على الوحي بحجة أن الوحي ظواهر لفظية لا تفيد اليقين ، فلا تغني شيئا عن طالب البرهان وأما العقل فحكمه قطعي ، فهو أولى أن يذهب إليه من تلك الظواهر . ومن العجيب أن هؤلاء الذين اتفقوا على تقديم حكم العقل قد اختلفوا وتناقضت أقوالهم ، ثم ادعت كل فرقة منهم أن الحق ما قالته هي دون غيرها وأنه هو الموافق لحكم العقل ، فبأي عقل من هذه العقول المختلفة توزن إذا نصوص الكتاب والسنة ؟ وبأي عقل منها يحكم على اللّه سبحانه ؟ فإن كلا منهم يدّعي أنه قد جاء بالمعقول الصريح والبرهان القاطع ، فنحن في حيرة من أمر هؤلاء لا ندري يا رب إلى معقول من منهم نتحاكم عند الخصومة . ومن العجيب أنهم يجيئون بشبهات واهية ليست بنبع إذا عدت ولا غرب ولا تؤول إلى أي معقول ، وإنما هي من بنات الوهم ونسيج الخيال ، ثم يدعون أنها معقولة ببدائه العقول ، وأن العلم بها ضروري وأنها مكتسبة بالبرهان ، وكيف يتأتى أن تكون آراؤهم هذه أحكاما عقلية صحيحة مع تناقضها واختلافها ، وهل يمكن أن يكون في الحق معقولان مختلفان ؟ ثم هم يقضون بأقوالهم هذه على اللّه كذبا عليه سبحانه وإمعانا في الجرأة