تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
فلأجل هذا قد عزلناها * وولينا العقول ومنطق اليونان
الشرح : من الضلالات الشنيعة التي وقع فيها أرباب الكلام المذموم ، وكانت محل اتفاق بينهم رغم ما هم عليه من عداوة وخلاف ، زعمهم أن الأدلة اللفظية وحدها لا تفيد العلم واليقين ، ولكن تفيد الظن الذي لا قطع معه بأحد المعنيين ، وعللوا هذا بأن الألفاظ يعرض لها مثل الاشتراك الذي هو وضع اللفظ لمعنيين أو لعدة معان على السواء ، فإذا أطلق لا يدري أيها هو المقصود منه ، كلفظ العين مثلا ، فإنه موضوع للباصرة والجارية والشمس الخ . ويعرض لها كذلك الاجمال الذي يحتاج إلى بيان وتفصيل كما في قوله تعالى مثلا :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
[ المائدة : 3 ] فهذا مجمل يحتاج إلى بيان الأشياء التي يتناولها اسم الميتة وهل يدخل فيها ميتة البحر والجنين الذي خرج من بطن أمه المذكاة ميتا أو لا يدخل . . . الخ ، ويعرض لها أيضا المجاز بالزيادة والنقصان ، والاضمار الذي لا يعرف معه مرجع الضمير ، والحذف الذي لا يدري معه تقدير الحذوف إلى غير ذلك من العوارض التي قد تعرض للألفاظ فلا يمكن معها الجزم بمعنى اللفظ . وهذا عارض من جهة من اللفظ . وأما من جهة السند فالنقل اما أخبار آحاد فتتوقف على صدق رواتها ، وهو أمر غير مقطوع به ما دام بعضهم يقدح في بعض ويتهمه بالكذب والوضع ، أو بسوء الحفظ وعدم الضبط ، وأما متواتر وهو نادر وقليل جدا ، وهو مع ندرته وقلته يحتاج إلى السلامة من المعارض العقلي . هذه هي الشبه التي أدت بهم إلى تلك الفرية الكبرى ، وهي عزل جميع الألفاظ عن أن تكون نصا في معانيها تفيد القطع بها والحكم عليها جميعا بالاحتمال وإفادة الظن ، ولزمهم بذلك عزل القرآن والسنن والآثار السلفية عن إفادة العلم ، ولكن ذلك انما يستفاد عندهم بالدلائل العقلية التي تركب على قواعد المنطق اليوناني . ولهذه الشناعة التي ارتكبوها ، وهي سد باب الهدى والبيان من جهة النصوص الشرعية ، حذرنا المؤلف من مقالاتهم ، ووصفهم بأنهم شيعة الشيطان أي حلفاؤه في الاضلال والاغواء ، وقال سل بهم خبيرا ، يعني نفسه ، فإنه درس هذه المذاهب كلها دراسة تعمق واستيعاب ،