واجترءوا عليها بالتحريف الذي سموه تأويلا كذبا منهم وتضليلا ، فإن لفظ التأويل لم يستعمل في القرآن بهذا المعنى الذي أدعوه ، وهو صرف اللفظ عن معناه الظاهر الراجح إلى معنى آخر لا يحتمله اللفظ إلا على وجه مرجوح ، وإنما هو اصطلاح اصطلحوا عليه وسموه بهذا الاسم تلبيسا منهم على الجهلة وإنصاف العلماء . ونحن إذا تتبعنا لفظ التأويل في مواضعه من القرآن لم نجده قد استعمل إلا بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الخبر والتي هي لنفس المخبر عنه . فتأويل ما أخبر اللّه به عن نفسه من أسمائه وصفاته هو نفس الأسماء والصفات المخبر بها أي حقائقها ، وتأويل ما أخبر اللّه به من الوعد والوعيد هو وقوع ما أخبر اللّه به من ذلك وهكذا .
فقوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ
[ الأعراف : 53 ] معناه ما ينتظر هؤلاء في عنادهم وإصرارهم على كفرهم إلا وقوع ما توعدهم القرآن به من العذاب الذي هو تأويل ، أي ما يؤول ويصير إليه .
وقوله :
وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا
[ يوسف : 100 ] معناه أن هذا الذي حصل من دخول أبويه وإخوته عليه وسجودهم له هو تأويل رؤياه التي رآها من قبل ، والتي ذكرت في قوله تعالى :
إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
[ يوسف : 4 ] ومعنى تأويلها أي وقوع ما تضمنته تلك الرؤيا في عالم اليقظة ومطابقة ذلك لما رآه الصديق في منامه .
وقوله تعالى :
سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً
[ الكهف : 78 ] معناه سأخبرك بحقيقة ما رأيت من الأمور التي أنكرت ظواهرها ولم تطق صبرا عليها . وعلى هذا يمكن أن نفهم المراد بلفظ التأويل في قوله تعالى
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
[ آل عمران : 7 ] أي لا يفهم حقيقة المتشابه وكيفيته ، وهو ما أخبر اللّه به عن نفسه من أسمائه وصفاته ووعده ووعيده وغير ذلك من أمور الغيب إلا اللّه عز وجل . فحقيقة هذه الأمور وكيفياتها على التفصيل مما استأثر