تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
ولا وجود لها إلا في الذهن ، وهؤلاء يقيسون الألفاظ على تلك المجردات قياس فاسد على فاسد ، فيسمون اللفظ كليا وهو معين فرد . وكذلك يسمون معناه الجزئي كليا مع أن تجريد اللفظ عن كل قيد يجعله من قبيل الممتنع الذي لا وجود له لا في العقل ولا في الخارج ، بل يكون كخيال السكران خرافة وهذيان .
لكن تجردها المقيد ثابت * وسواه ممتنع بلا إمكان فتجرد الأعيان عن وصف وعن * وضع وعن وقت لها ومكان فرض من الأذهان يفرضه كفر * ض المستحيل هما لها فرضان اللّه أكبر كم دهى من فاضل * هذا التجرد من قديم زمان تجريد ذي الألفاظ عن تركيبها * وكذاك تجريد المعاني الثاني
والحق أن كليهما في الذهن مفروض فلا تحكم عليه وهو في الأذهان
فيقودك الخصم المعاند بالذي * سلمته للحكم في الأعيان فعليك بالتفصيل إن هم أطلقوا * أو أجملوا فعليك بالتبيان
الشرح : يعني ان التجريد إذا كان مقيدا ببعض القيود فهو ثابت . وأما سواه وهو التجرد المطلق عن كل وصف وقيد فممتنع غير ممكن ، فتجرد الأعيان الخارجية عن الوصف والكيفية ، وعن الوضع الذي تكون عليه ، وعن الوقت والزمان الذي هو ظرف لوجودها ، وعن المكان والحيز الذي تشغله ، كل هذا أمر يفرضه الذهن كما يفرض المستحيل . ومن العجيب المؤسف أن كثيرا من الفضلاء قد دهاهم هذا التجرد منذ القدم فآمنوا بهذه الخرافة ، وأثبتوا في عالم الأعيان أشياء يسمونها المجردات ينفون عنها كل وصف وقيد ، فيقولون لا حيز لها ولامكان ولا جهة ولا توصف بقرب ولا بعد ولا اتصال ولا انفصال ، وليست بذات صورة ولا كم ، ولا مقدار ولا ثقل ، ولا لون ولا تقبل الإشارة إليها بأنها هنا أو هنا إلخ ما نعتوها به من ألقاب النفي التي تجعلها من قبيل المعدوم الممتنع ، ويجعلون اللّه جل
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 329 | ابن قيم الجوزية / محمد خليل هراس