تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
نطقت به آيات الكتاب الكريم ، ووردت به الأخبار الصحيحة ، من اتيانه عز وجل ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين العباد ، كقوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ
[ البقرة : 210 ] يعني ما ينتظر هؤلاء الا وقوع ذلك الأمر العظيم ، وهو أن يأتيهم اللّه في ظلل الغمام وتأتي معه الملائكة وقضي الأمر ، يعني فرغ من حسابهم ، وعطف الملائكة هنا على اللّه ينفي تأويل المعطلة بأن الاتيان للملك ، فهو كقوله :
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
[ الفجر : 22 ] ولكن قد يقول المعطل ان اتيان الرب عز وجل هو اتيان امره كما في قوله تعالى في سورة النحل :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
[ النحل : 33 ] فيرد عليه بتلك الآية التي تأخذ بخناقه ولا يجد لتأويلها مساغا أعني قوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ
[ الأنعام : 158 ] فان الترديد هنا بين اتيان الرب والملائكة ، والآيات أوضح دليل على أن المراد مجيء ذاته لا أمره ، فإنه مذكور بين الأمرين الآخرين وهما مجيء الملك والآيات ، فكيف يجوز تأويله بأحدهما ، وإذا ثبت مجيء الرب وإتيانه جل شأنه بهذه الآية القاطعة ، فمن أين يأتي إذا ؟ والجهات المعروفة ست ، هي الفوق والتحت ، واليمين والشمال ، والأمام والخلف ، فليقل لنا هؤلاء المعطلة أي هذه الجهات يختارون ليكون منها مجيء الرب واتيانه ، لا يعقل أبدا أن يجيئهم من تحتهم - تعالى اللّه عن ذلك - وكذلك لا يعقل أن يجيئهم من خلفهم ولا من أمامهم ، ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم ، فلم يبق الا أن يأتيهم من العلو المطلق الذي هو فوق الأمكنة جميعا .

فصل في الإشارة إلى ذلك من السنة

وأكثر حديثا في الصحيح تضمنت * كلماته تكذيب ذي البهتان لما قضى اللّه الخليقة ربنا * كتبت يداه كتاب ذي الاحسان
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 273 | ابن قيم الجوزية / محمد خليل هراس