وأما الفوق المجرد عن الاقتران بمن فهو قد يقبل التأويل ، ولكن لا يقبله إلا بدليل ، لأن الأصل هو الحقيقة ، فلا يصرف اللفظ عن معناه الحقيقي إلا بقرينة صارفة تمنع من إرادة المعنى الأصلي ، فإذا ادعى الخصم ان قرينة العقل هي التي أوجبت ذلك الصرف لاستحالة الفوقية الحسية ، قلنا هذه القرينة معارضة عندنا بضرورة العقل القاضية بأن كل موجودين إذا نسب أحدهما إلى الآخر ، فأما أن يكون متداخلين أو متباينين ، وإذا كانا متباينين فلا بد أن يكون أحدهما في جهة من الآخر .
وقد ذكر المؤلف هنا فائدة جليلة ينبغي التنويه بها وهي اعتبار سياق الكلام في تحديد مدلولات الألفاظ ، فإذا جاء السياق يبدي المراد للمخاطب أصبح كالنص في إفادة القطع وعدم قبول التأويل ، فبعض الألفاظ قد يكون محتملا لأكثر من معنى ، ولكن سياق الكلام هو الذي يعين المراد باللفظ من هذه المعاني ، فسياق الألفاظ مثل شواهد الأحوال كل منهما قرينة تعين المعنى المقصود إلا أن هذه قرينة مرئية بالعيان وهذه قرينة مسموعة بالآذان .
فإذا أتى التأويل بعد سياقة * تبدي المراد أتى على استهجان
وإذا أتى الكتمان بعد شواهد ال * أحوال كان كأقبح الكتمان
فتأمل الألفاظ وانظر ما الذي * سيقت له ان كنت ذا عرفان
والفوق وصف ثابت بالذات من * كل الوجوه لفاطر الأكوان
لكن نفاة الفوق ما وافوا به * جحدوا كمال الفوق للديان
بل فسروه بأن قدر اللّه أع * لي لا بفوق الذات للرحمن
قالوا وهذا مثل قول الناس في * ذهب يرى من خالص العقبان
هو فوق جنس الفضة البيضاء لا * بالذات بل في مقتضى الأثمان
والفوق أنواع ثلاث كلها * للّه ثابتة بلا نكران
هذا الذي قالوا وفوق القهر وال * فوقية العليا على الأكوان