على عرشه بابا لمن قال بالاتحاد ، فإن هؤلاء الاتحادية لما جاروهم في ذلك النفي ولم تسغ عقولهم موجودا لا داخل العالم ولا خارجه ، حكموا بأن اللّه هو عين هذا العالم ، وصرحوا بالاتحاد ، بل أن هؤلاء النفاة أيضا كانوا بابا ولج منه الحلولية الذين زعموا أن اللّه هو الروح السارية في العالم ، لأنهم لما وافقوا هؤلاء في أن اللّه ليس خارج العالم ، ولم يعقلوا موجودا لا داخلا ولا خارجا حكموا بحلوله فيه وسريانه في جميع أجزائه ، فصار هؤلاء الجهمية النفاة أساتذة لهؤلاء الاتحادية والحلولية ينقطون لهم نقطا وهم يخطون عليها كما يفعله معلم الصبيان .
وملخص هذا الدليل على طريقة السير والتقسيم المعروفة أن اللّه سبحانه أما أن يكون موجودا خارج الأذهان أو لا ، والثاني مستلزم لنفيه وجحوده والأول أما أن يكون وجوده غير وجود هذه الأكوان أو لا ، بأن يكون عينها ، والثاني مستلزم للقول بالاتحاد ، وهو كفر ، والأول اما أن يكون متصلا بالأشياء اتصال حلول ، بأن تكون قد حلت فيه أو حل فيها أو لا ، والأول مستلزم للقول بالحلول الذي قالت به النصارى هو كفر ، والثاني أما أن يكون قائما بنفسه مستغنيا عن الأكوان أو لا ، والثاني يستلزم كونه عرضا قائما بالأعيان ، وهو كفر ، فثبت من ذلك أنه موجود بوجود مغاير لوجود الأشياء غير حال فيها ولا حالة فيه وليس هو عرضا لها ، بل هو وجود قائم بنفسه ، والعالم قائم بنفسه ، فإذا نسب أحدهما إلى الآخر فلا يخلو ، إما أن يكونا مثلين أو ضدين أو غيرين ، وعلى كل فهما منفصلان متباينان فثبت أن اللّه مباين للعالم وأنه فوقه عال عليه .
فصل في الإشارة إلى الطرق النقلية الدالة على أن اللّه تعالى فوق سماواته على عرشه
ولقد أتانا عشر أنواع من المنقول في فوقية الرحمن