السماوات الذي هو مفعول خلق ، ثم أخبر بعد ذلك أنه سخرها بالأمر في قوله مسخرات بأمره ثم قال عقب ذلك الا له الخلق والأمر فدل ذلك على أن الخلق غير الأمر وأنها بعد الخلق سخرت بالأمر ، وهذا أمر من الوضوح بمكان .
والأمر اما مصدر أو كان مفع * ولا هما في ذاك مستويان
مأموره هو قابل للأمر * كالمصنوع قابل صنعة الرحمن
فإذا انتفى الأمر انتفى المأمور * كالمخلوق ينفى لانتفا الحدثان
وانظر إلى نظم السياق تجد به * سرا عجيبا واضح البرهان
ذكر الخصوص وبعده متقدما * والوصف والتعميم في ذا الثاني
فأتى بنوعي خلقه وبأمره * فعلا ووصفا موجزا ببيان
فتدبر القرآن ان رمت الهدى * فالعام تحت تدبر القرآن
الشرح : قد يقول المنازع في المغايرة بين الخلق والأمر ان الأمر هنا مصدر بمعنى المأمور ، كما يقال الخلق بمعنى المخلوق ، ولا شك أن المأمور لا يكون الا مخلوقا فلا يلزمه التغاير بين الخلق والأمر ، فنقول له سواء جعل الأمر هنا مصدرا بمعنى أحد الأوامر ، أو كان مفعولا فهما سواء في مغايرتهما للخلق والمخلوق ، فإن المأمور هو القابل للأمر كالمصنوع لقابل الصنعة ، وعلى هذا فالمأمور فرع الأمر ، فإذا لم يكن ثمة أمر فلا مأمور كما أن المخلوق الذي هو فرع الخلق ينتفي لانتفاء الحدثان يعني الخلق ، فتبين أن الخلق غير الأمر كما أن الفعل غير المفعول ، والأمر ينشأ عنه المأمورات والشرائع ، وأما الخلق فتنشأ عنه المخلوقات كلها .
وأعلم أن الناظر في سياق الآية الكريمة يجد سرا عجيبا ، فإن اللّه عز وجل ذكر خلقه للسماوات والأرض على وجه الخصوص ، ثم ذكر تسخيره للشمس والقمر والنجوم بأمره على وجه الخصوص أيضا ، وصرح فيهما بالفعل ، ثم أتى بعد ذلك بالخلق والأمر وصفين على جهة التعميم في قوله :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ