يحفظها عن الغوص بكليتها في البحر . مع أن طبع الأرض الغوص في الماء ، وهو الّذي مرج بين العناصر المتضادة الفرارة بعضها عن بعض بالطبع ، فهو سبحانه وتعالى ركب أبدان الحيوانات منها ، وأمسك كل واحد منها مع ضده على خلاف مقتضى طبعه .
وأما حظ العبد : أما في قوته النظرية فهو أن يجتهد في حفظها عن اتباع الشبهات والبدع ، وأما في قوته العملية فهو أن يحفظها عن الانقياد لمقتضى الشهوة والغضب ، وقد بينا فيما تقدم أن الفضيلة في الوسط ، والرذيلة في الطرفين « 1 » ، والوسط بين الشمس والظل هو الخط المستقيم ، وهو طول لا عرض له البتة ، فكان أحد من السيف لا محالة ، وأدق من الشعرة ، وإنه هو الصراط المستقيم الّذي يجب عليه السعي في هذا اليوم ، وهو طريق ممدود على متن جهنم ، فيجب على الإنسان أن يحفظ نفسه عن الميل إلى الطرفين .
ومن المعلوم أن المشي في الدنيا على هذا الصراط المستقيم مختلف ، فمنهم من يمشى عليه كالبرق الخاطف ، ومنهم من يمشى عليه بأنواع التعب والشدة .
أما المشايخ : فقالوا : الحفيظ الّذي صانك في حال المحنة عن الشكوى . وفي حال النعمة عن البلوى .
وقيل : الحفيظ من هداك إلى التوحيد ، وخصك في الخدمة بأنواع الحفظ والتسديد .
وقيل الحفيظ الّذي حفظ سرك عن ملاحظه الأغيار ، وصان ظاهرك عن موافقة الفجار .
قال بعضهم : ما من عبد حفظ جوارحه إلا حفظ اللّه عليه قلبه ، وما من عبد حفظ اللّه عليه قلبه إلا جعله حجة على عباده .
هامش
( 1 ) كالكرم بين الإسراف والبخل والشجاعة بين التهور والجبن .