الحال : سبحان من لا يجرى في ملكه إلا ما يشاء . وأقول : تأملوا في هاتين الكلمتين ؛ فإن كل واحد منهما جمع جميع دلائل مذهبه في هذه الكلمة « 1 » واعلم أن الجبار بهذا المعنى ، وبالمعنى الثاني أيضا من صفات الأفعال .
فإن قيل : الجبروت والتكبر في حق الخلق مذموم ، فلم يمدح اللّه به ؟
قلنا : الفرق أنه سبحانه قهر الجبابرة بجبروته ، وعلاهم بعظمته ، لا يجرى عليه حكم حاكم ، فيجب عليه انقياده ، ولا يتوجه عليه أمر آمر ، فيلزمه امتثاله ، آمر غير مأمور ، قاهر غير مقهور :
« لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ »
« 2 » .
وأما الخلق فهم موصوفون بصفات النقص ، مقهورون محجومون ، تؤذيهم البقة ، وتأكلهم الدودة ، وتشوشهم الذبابة ، أسير جوعة ، وصريع شبعة ، ومن تكون هذه صفته كيف يليق به التكبر والتجبر ؟ !
وأما المشايخ فقال بعضهم : الجبار الّذي لا يرتقى إليه وهم ، ولا يشرف عليه فهم ، وقيل : الجبار من لا فهم يلحقه ، ولا دهر يخلقه ، وقيل : الجبار من أصلح الأشياء بلا علاج ، وأمر بالطاعة بلا احتياج ، وكان بعضهم يقول :
يا جبار عجبت لمن يعرفك كيف يستعين على أمر بأحد غيرك ، وعجبت لمن يعرفك كيف يرجو أحدا غيرك ، وعجبت لمن يعرفك كيف يلتفت إلى أحد غيرك .
أما حظ العبد من هذا الاسم ، فقال الغزالي : الجبار من العباد من ارتفع عن درجة الارتفاع ، ووصل إلى مقام الاستتباع ، ومن علامته : أنه لا يصير أسيرا بحب المال والجاه ، لأن كل من كان كذلك كان منقادا بحب المال والجاه ،
هامش
( 1 ) انظر ذلك مفصلا في الكتب التي بحثت في الفرق الإسلامية ومنها كتاب الإمام الرازي « اعتقادات فرق المسلمين والمشركين » أعاننا اللّه على إتمامه .
( 2 ) الآية 23 من سورة الأنبياء .